شهد ملف الحرب في أوكرانيا خلال الفترة الأخيرة تطورات متسارعة، والتي تزامنت مع تحول واضح في أولويات الولايات المتحدة نحو التصعيد في الشرق الأوسط، والذي تتسبب في التأثير على مسار المفاوضات ومستوى الدعم العسكري، مع استمرار العمليات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا.
في هذا السياق، قال دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، إن عملية التفاوض "معلقة حاليًا" موضحًا أن انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى يجعل من الصعب عقد اجتماعات ثلاثية في الوقت الراهن، في إشارة إلى تراجع الدور الأمريكي في دفع المحادثات خلال هذه المرحلة.
من جانبه، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في آخر تصريح له عن كييف، أن بلاده تحرز تقدمًا في الملف الأوكراني، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن التركيز ينصب بشكل أكبر على الملف الإيراني حاليًا.
وفي الوقت نفسه، لاتزال العمليات العسكرية تسير بوتيرة مرتفعة، حيث استأنفت روسيا وأوكرانيا الهجمات المتبادلة عقب انتهاء هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي التي استمرت نحو 32 ساعة فقط.
وخلال الساعات الماضية، نفذت القوات الروسية هجمات مكثفة باستخدام مئات الطائرات المسيرة وعشرات الصواريخ خلال 24 ساعة؛ ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في عدة مناطق أوكرانية.
بالتوازي، واصلت أوكرانيا استهداف البنية التحتية للطاقة الروسية، حيث شنت ضربات بطائرات مسيّرة بعيدة المدى على منشآت تصدير النفط، خاصة في مناطق بحر البلطيق وشبه جزيرة القرم.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده لن توقف استهداف منشآت الطاقة الروسية، إلا في حال توقف الهجمات الروسية على البنية التحتية المدنية داخل أوكرانيا، في ظل استمرار التصعيد بين الطرفين.
وعلى وقع هذه التغيرات والتي وصفها المراقبون، بأنها مرحلة تتسم بإعادة ترتيب الأولويات الدولية وتداخل مسارات الصراع،يبقى التساؤل الأبرز حول ما إذا تحولت أوكرانيا إلى "جبهة ظل" بسبب حرب إيران؟
أكد مهند رضوان، خبير العلاقات الدولية، أن فكرة تحول أوكرانيا إلى "جبهة ظل" أو ساحة خلفية، نتيجة انتقال ثقل الأزمات إلى منطقة الشرق الأوسط، ليست مجرد فرضية تحليلية، بل إن العديد من المؤشرات الواقعية والميدانية تدعم هذا الاتجاه.
وأضاف في تصريح لـ"إرم نيوز" أن ما يجري يمكن قراءته في إطار تقاطع واضح للمصالح والضغوط بين جبهتي أوروبا الشرقية والشرق الأوسط.
ولفت رضوان إلى أن المعضلة الأساسية تتمثل في تخصيص الموارد تحت ضغط مزدوج، حيث لا توجد قوة كبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، تمتلك قدرات عسكرية ومالية غير محدودة تسمح لها بإدارة جبهتين مشتعلتين بكثافة عالية في الوقت نفسه، لا سيما في ظل الجبهة المرتبطة بإيران.
وأوضح أن هذا التحدي ظهر بوضوح عندما اتجهت واشنطن إلى إعادة توجيه بعض الموارد العسكرية الحيوية، التي كانت مخصصة لدعم أوكرانيا، نحو إسرائيل وحلفائها في الشرق الأوسط، ومواجهة التهديدات الإيرانية ووكلائها، إلى جانب استنزاف رصيدها السياسي داخليًا لتمرير حزم الدعم.
وتابع: "ومع تصدر الشرق الأوسط للمشهد، تراجع الزخم السياسي الداعم لكييف، بما يعكس إعادة ترتيب أولويات داخل واشنطن".
وأشار إلى أنه من الصعب القول إن الولايات المتحدة تعمدت بالكامل "تجميد" الجبهة الأوكرانية، لكن ما حدث هو نتيجة تداخلات موضوعية مع رغبة في إدارة الصراع لا حسمه، خاصة في ظل استراتيجية قائمة على استنزاف روسيا دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
وكشف أن هذا الوضع أدى إلى تكريس حالة من الجمود النسبي، سمحت بتحويل جزء من التركيز الأمريكي نحو الشرق الأوسط، لتتحول أوكرانيا فعليًا إلى "جبهة ظل" سياسيًا وإعلاميًا.
في المقابل، أكد محمد العروقي، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوكرانية، أنه يختلف مع وجهة النظر التي تقول إن أوكرانيا تحولت إلى "جبهة ظل"، مشيرًا إلى أن استمرار الحرب هناك والمقاومة الأوكرانية المتواصلة للعدوان الروسي ينفيان هذا الطرح.
وفي تصريح لـ"إرم نيوز"، قال إن ما جرى منذ بداية تولي دونالد ترامب الرئاسة يتمثل في تراجع مستوى الدعم الأمريكي لأوكرانيا، خاصة فيما يتعلق بتزويدها بالسلاح، وما ترتب على ذلك من دفع الأوروبيين إلى زيادة اعتمادهم على شراء الأسلحة من الولايات المتحدة من أجل دعم أوكرانيا.
وشدد على أن ذلك لا يعكس وجود "جبهة ظل"، بل يعبر عن إعادة توزيع للأدوار داخل المعسكر الغربي، خاصة وأن الحاجة الأوروبية المتزايدة لأوكرانيا في مجال الدفاع عن أمن القارة ومصالحها جعلت منها دولة في مقدمة الدول الأوروبية من حيث الخبرة في التعامل مع روسيا، نتيجة تراكم تجربة الحرب.
وأشار العروقي، إلى أن تداعيات هذا الصراع ستنعكس على أوروبا بأكملها، خاصة في ظل الانتقادات التي يوجهها ترامب لدور حلف الناتو والدول الأوروبية.
وكشف أن التحركات الأخيرة، بما في ذلك زيارات الرئيس الأوكراني إلى دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية، وما صاحبها من استعانة بخبرات أوكرانية، تؤكد أن أوكرانيا لا يمكن اختزالها في دور "جبهة ظل".
وأوضح أن الملف الأوكراني مرشح للدخول في مرحلة جديدة، سواء في اتجاه التهدئة أو التصعيد أو حتى التسوية، في ظل وجود تحركات دبلوماسية ومساع لإحياء مسار السلام؛ ما يجعل من الصعب التعامل مع أوكرانيا باعتبارها مجرد جبهة ثانوية.