ترامب: إسقاط مقاتلة أمريكية لن يؤثر على المحادثات مع إيران
كان يُفترض أن تشكّل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عامل تماسك إضافياً لمعسكر اليمين الشعبوي في أوروبا، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت نتيجة معاكسة.
حاليا هناك تصدّع متسارع في العلاقة بين التيار اليميني الأوروبي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط مخاوف متزايدة من الكلفة الاقتصادية والسياسية للصراع.
ووفق ما أوردته صحيفة "تليغراف"، فإن أحزابًا كانت تُعد حتى وقت قريب من أقرب الحلفاء الأيديولوجيين لترامب، بدأت تعيد حساباتها بشكل واضح.
لطالما شكّل شعار "لنجعل أوروبا عظيمة مجددًا" امتدادًا مباشرًا لخطاب "ماغا" الذي يتبناه ترامب، غير أن هذا التقاطع الأيديولوجي بدأ يتآكل مع دخول الحرب الإيرانية شهرها الثاني.
بحسب تليغراف، باتت قطاعات واسعة من اليمين الأوروبي تنظر إلى الحرب بوصفها "مغامرة خارجية مفتوحة"، تتناقض مع خطابها التقليدي المناهض للتدخلات العسكرية.
وتشير الصحيفة إلى أن هذا التحول لا يعكس تعاطفًا مع إيران بقدر ما يعكس قلقًا من تداعيات اقتصادية مباشرة، خصوصًا في ما يتعلق بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، وهي ملفات شديدة الحساسية لدى القواعد الانتخابية لهذه الأحزاب.
في بريطانيا، برزت مؤشرات مبكرة على هذا التحول، حيث اتخذ نايجل فاراج، زعيم حزب "ريفرم يو كيه" وأحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي البريطاني، موقفًا متحفظًا من الحرب، رغم علاقته الوثيقة سابقًا بترامب.
ويعكس هذا الموقف إدراكًا متزايدًا داخل أوساط اليمين البريطاني بأن الارتباط بحرب خارجية قد يتحول إلى عبء انتخابي، في ظل ضغوط اقتصادية متصاعدة.
وترى تليغراف أن هذا التحول يحمل دلالة أوسع، إذ يشير إلى أن الولاء السياسي لترامب لم يعد مضمونًا حتى داخل أكثر الدوائر تقاربًا معه أيديولوجيًا.
في إيطاليا، بدت العلاقة بين رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني وترامب أكثر تعقيدًا مما كانت عليه.
على الرغم من كونها أحد أبرز حلفائه في أوروبا، رفضت روما السماح باستخدام قاعدة عسكرية في صقلية لدعم العمليات الأمريكية، في خطوة فسّرتها أوساط سياسية بأنها محاولة لتجنب الانخراط المباشر في النزاع.
كما أثارت ميلوني تساؤلات حول شرعية الحرب، في وقت تواجه فيه ضغوطًا داخلية بعد انتكاسة سياسية مرتبطة بإصلاحات قضائية.
ووفق ما نقلته تليغراف، فإن الحكومة الإيطالية حرصت على التأكيد أن البلاد "ليست في حالة حرب ولا تنوي الدخول فيها"، في رسالة واضحة للداخل والخارج.
في فرنسا، اتخذت الزعيمة اليمينية مارين لوبان موقفًا أكثر صراحة، إذ انتقدت أهداف الحرب ووصفتها بأنها "غير واضحة وعشوائية التنفيذ".
وركزت لوبان على التداعيات الاقتصادية، محذرة من تأثير الضربات على أسعار الوقود، وهو ملف حساس للناخب الفرنسي.
ونقلت تليغراف عن مصادر داخل حزب "التجمع الوطني" اليميني الفرنسي أن واشنطن تبدو "عالقة" في النزاع دون استراتيجية خروج واضحة، في مؤشر على تزايد الشكوك داخل اليمين الأوروبي تجاه جدوى الحرب.
في ألمانيا، يبدو التحول أكثر حدة، فحزب "البديل من أجل ألمانيا"، الذي كان قد حظي بدعم غير مباشر من دوائر قريبة من ترامب، سارع إلى إدانة الحرب، بل سبق في ذلك الحكومة الألمانية نفسها.
وقال تينو كروبالا، الرئيس المشارك للحزب، إنه "يشعر بخيبة أمل كبيرة" من ترامب، واصفًا إياه بـ"رئيس حرب"، في تحول لافت في الخطاب السياسي.
كما دعا إلى سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، في خطوة تعكس تصاعد النزعة السيادية داخل الحزب.
وبحسب ما أوردته تليغراف، فإن الضربة الأمريكية التي استهدفت مدرسة في إيران وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى، أثارت جدلًا واسعًا داخل ألمانيا، وعززت من المعارضة الشعبية للحرب.
في بولندا، التي تُعد من أكثر الدول الأوروبية تقاربًا مع واشنطن، ظهرت إشارات متباينة، فقد انتقد مستشارون للرئيس كارول نافروتسكي غياب التنسيق مع الحلفاء قبل تنفيذ الضربات، في موقف يعكس قلقًا متزايدًا من تراجع دور الحلفاء داخل مصنع القرار الأمريكي.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل التزامات الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي "الناتو"، خاصة بعد تهديدات ترامب بإعادة النظر في العلاقة مع الحلف.
يبقى رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان من أقرب القادة الأوروبيين إلى ترامب، لكنه بدوره تبنى موقفًا حذرًا، فبدلًا من تأييد صريح للحرب، اكتفى بتحذيرات غير مباشرة من مخاطر التصعيد، خصوصًا احتمال الانزلاق إلى تدخل بري.
ويعكس هذا الموقف، وفق قراءات نقلتها تليغراف، إدراكًا لحساسية ملف الطاقة في أوروبا، حيث يشكل ارتفاع الأسعار عامل ضغط سياسي كبير، لا سيما في اقتصادات تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.
برزت انقسامات واضحة داخل التحالفات اليمينية الأوروبية، ففي حين أبدى خِيرت فيلدرز، زعيم حزب الحرية الهولندي، دعمًا صريحًا للهجمات ضد إيران، فضّلت أحزاب أخرى تبني مواقف أكثر حذرًا أو حتى نقدية.
ونقلت تليغراف عن محللين أن هذا التباين يعكس ما يمكن وصفه بـ"الولاء المشروط"، حيث يستمر التقارب مع ترامب في الملفات الداخلية، لكنه لا يمتد تلقائيًا إلى السياسة الخارجية، خصوصًا عندما ترتبط بحروب طويلة ومكلفة.
تشير تقديرات نقلتها الصحيفة إلى أن الحرب بات يُنظر إليها داخل اليمين الأوروبي على أنها "سامة سياسيًا"، نظرًا لتداعياتها الاقتصادية وعدم وضوح مسارها.
ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، كلها عوامل تضغط على الأحزاب التي تسعى للحفاظ على شعبيتها.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن الأحزاب اليمينية تحاول تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على خطابها المؤيد لترامب، وتجنب الانجرار إلى سياسات قد تضر بقاعدتها الانتخابية.
في المحصلة، تبدو الحرب على إيران اختبارًا حقيقيًا لمستقبل "الترامبية" خارج الولايات المتحدة.
مع تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية، قد تجد شخصيات مثل ميلوني ولوبان نفسها مضطرة إلى إعادة تموضع تدريجي، في حين يواجه قادة آخرون خطر دفع ثمن سياسي لارتباطهم الوثيق بترامب.
وتخلص تليغراف إلى أن ما يجري لا يمثل قطيعة كاملة، بل إعادة تعريف للعلاقة، حيث لم يعد الإعجاب بسياسات ترامب الداخلية كافيًا لتبرير دعم سياساته الخارجية، خاصة عندما تتحول إلى حروب مفتوحة ذات كلفة مرتفعة ومخرجات غير مضمونة.