logo
العالم

"فري فايت".. بوابة مظلمة لليمين المتطرف على منصات التواصل

فري فايت

عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد حلبات القتال السرية المعروفة بـ"فري فايت" مجرد عروض عنف بدائي، بل تحولت إلى بوابة مظلمة تستغلها جماعات اليمين المتطرف لنشر أيديولوجيات فاشية وتجنيد الشباب. 

أخبار ذات علاقة

مارين لوبان

استطلاع: أفكار اليمين المتطرف تتغلغل في المجتمع الفرنسي

تحقيق استقصائي فرنسي كشف كيف تُستخدم رياضة القتال الحر غير الشرعي كواجهة جذابة لتمرير أفكار عنصرية تحت ستار الرجولة والقوة البدنية.

في موقع سري جنوب فرنسا، تتساقط قطرات الدم على أرضية خرسانية داخل منزل مهجور تغطي جدرانه رسومات الغرافيتي. 

رجلان يتقاتلان بقبضات عارية وسط هتافات جمهور هائج. هذا المشهد ليس استثناءً، بل هو نموذج متكرر لعشرات المقاطع التي حللها محققون فرنسيون لقتالات غير شرعية تُنشر على منصات التواصل الاجتماعي، وفق ما نقلته "فرانس إنفو".

تعبيرية

وتقدم حسابات يتابعها عشرات الآلاف على إنستغرام هذه المواجهات الدموية في قالب بصري احترافي، حيث يُقدَّم المقاتلون بعضلاتهم البارزة كنجوم ومؤثرين رقميين، غير أن هذه الصورة المصقولة تخفي، في كثير من الأحيان، ولاءات واضحة لأيديولوجيات فاشية متطرفة.

ملايين المشاهدات

المنظمة الرئيسية لهذه القتالات في فرنسا تُعرف باسم FPVS، ويتابعها أكثر من مئة ألف شخص على إنستغرام، إضافة إلى حضور نشط على تيك توك ويوتيوب. 

تنشر المنظمة عشرات المقاطع التي تحصد أحياناً ملايين المشاهدات، وتُنظم القتالات في أماكن مهجورة وسرية، غالباً جنوب فرنسا، وأحياناً في سيرك بضواحي باريس.

تُقام هذه المواجهات خارج أي إطار قانوني، "بلا جولات وبلا قواعد"، وفق وصف الحساب الرسمي، وبلا قفازات، ولا قيود، فكل الضربات مسموحة لإسقاط الخصم، سواء على الخرسانة أو التراب أو الرمل. 

القاسم المشترك لا يقتصر على العنف الشديد، بل يشمل أيضاً الحضور المتكرر لرموز وشخصيات مرتبطة باليمين المتطرف الراديكالي.

رموز سياسية

جولة سريعة في منشورات الحساب تكشف صورة لأربعة رجال يرفعون قبضاتهم أمام علم يحمل اسم "إيديلفايس بلاد سافوا". أحدهم يرتدي قميصاً كُتب عليه " Pride France" مع رمز شيوعي مشطوب بخط أحمر، في دلالة سياسية واضحة.

تعبيرية

"إيديلفايس" جماعة قومية متطرفة تحمل اسم الزهرة الجبلية المفضلة للزعيم النازي أدولف هتلر، فيما تُظهر منشورات أخرى مقاتلين موشومين برموز مرتبطة تقليدياً باليمين المتطرف.

من جهتها، تنفي FPVS أي ارتباط سياسي، وتؤكد عدم دعمها لأي أيديولوجيا عنصرية، وتُعرب عن مخاوفها من ربط المنظمة ببعض الأوساط السياسية، مشددة على أن مقاتليها من خلفيات وأصول مختلفة، وأن معظمهم يشارك بدافع "الرياضة والعنف" لا لنشر توجهات سياسية.

مقاتلون مؤثرون بوجهين

المقاتلون النجوم في هذه الدوائر نشطون جداً على وسائل التواصل الاجتماعي. يعرضون نزالاتهم الدموية وتدريباتهم كمؤثرين رقميين. ومن أبرزهم ماكسيم بيلامي، المعروف بلقب "أورسو كورسو"، الذي يتابعه نحو أربعين ألف شخص على إنستغرام. 

تظهر صور بيلامي في جلسات تصوير احترافية تبرز وشومه وجسده المنحوت، بينما تعرض قصصه اليومية نصائح غذائية وصوراً مع كلبه.

لكن، خلف هذه الصورة المصقولة، يبرز وجه آخر، فبيلامي، المقاتل المفضل لدى هوليغانز نادي رين والعسكري السابق في القوات المحمولة جواً، لا يُخفي علاقاته مع اليمين المتطرف. 

شارك بيلامي في نشاط لمجموعة "نيميسيس" النسائية، وفي مقابلة عام 2023 أكد أن إريك زمور وألان سورال وأدولف هتلر من شخصياته المفضلة.

وشوم نازية ورسائل عنصرية

على بطن "أورسو كورسو" وشم يحمل الرمز 2YT4U، ويُقرأ صوتياً «Too white for you» (أبيض جداً بالنسبة لك). وهو اسم علامة ملابس سابقة أصبحت لاحقاً  " Pride France" تبيع منتجات تحمل صور شخصيات عنصرية.

مؤسس العلامة، المقاتل توماش سكاتولسكي الملقب بـ"غامين"، يجوب أوروبا للمشاركة في قتالات سرية، ويحمل على جسده وشوماً لا لبس فيها: ملصقاً دعائياً لهتلر على كتفه، وشعار " white power" على رقبته، وصليباً معقوفاً وصورة رودولف هيس على ذراعه. وهو اشتراكي قومي يعترف ضمنياً باستخدام حلبات القتال لنشر قناعاته بين الشباب.

العنف كقيمة ذكورية

هذا التداخل بين الالتزام السياسي والممارسة القتالية يحظى بتقدير الجماعات الهوياتية الفرنسية، التي تمنح رياضات القتال مكانة مركزية في نموذجها الذكوري.

يقول عالم الاجتماع عمانويل كاساجوس، المتخصص في دراسة الجماعات الراديكالية، إن القوة البدنية تُعد وسيلة تمييز أساسية داخل اليمين المتطرف، حيث يُنظر إلى المناضل القادر على القتال بوصفه الأجدر بالدفاع عن أفكاره جسدياً.

نُشرت قتالات بيلامي وسكاتولسكي مراراً على قناة تليغرام التابعة للفرع الفرنسي لحركة "Active Club"، المنبثقة عن حركة أمريكية أسسها روبرت روندو، أحد دعاة التفوق الأبيض. وتضم القناة أكثر من 11 ألف مشترك، وتستخدم صورة بيلامي في مواد دعائية، ضمن خطاب يمزج بين المراجع الفاشية وثقافة البوب.

أيديولوجية الحركة وأهدافها السياسية، وعلى رأسها التجنيد، مُعلنة بوضوح، فهي تحث الشباب على تبني نمط حياة "تقليدي" يُربط فيه العنف بالمجد، في مواجهة ما تعتبره انحلال المجتمع الحديث. 

ويرى كاساجوس أن هذه الفيديوهات تنقل معايير جمالية وقيماً أخلاقية ونماذج سلوكية، تُقدّم الرجل "المكتمل" بوصفه رجلاً فاشياً.

شباب صغار وعقوبات صارمة

آخر منشور لقناة "Active Club" يروّج لحدث قتال حر يجمع حركات هوياتية من دول أوروبية عدة. وعلى إنستغرام، أعلن حساب FPVS عن قتال قادم "بلا حدود" بمشاركة مقاتل يبلغ من العمر 19 عاماً. 

أخبار ذات علاقة

صعود اليمين المتطرف في أوروبا

2025 عام اليمين المتطرف.. أوروبا على حافة "التحول الكبير"

تستغل هذه الجماعات الشغف المتزايد لدى الشباب برياضات القتال، خصوصاً MMA، ووفق الاتحاد الفرنسي للفنون القتالية المختلطة، ارتفعت ممارسة هذه الرياضة بنسبة 300% منذ تشريعها عام 2020، إلا أن بعض المقاتلين غير الملتزمين بالقوانين الاتحادية ينجذبون نحو السرية.

قانونياً، تنص المادة 431-14 من قانون العقوبات الفرنسي على معاقبة المشاركة في مجموعة قتالية بالسجن ثلاث سنوات وغرامة تصل إلى 45 ألف يورو، في محاولة للحد من ظاهرة باتت تتجاوز حدود الرياضة إلى فضاءات التطرف والعنف المنظم.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC