كشفت أزمة غرينلاند ما كان يظنه المراقبون مستحيلاً: أوروبا تتحرك بسرعة حقيقية عندما تصبح واشنطن، الحليف التاريخي والأقوى، مصدر تهديد مباشر لمصالحها.
وبحسب "فورين بوليسي"، فإن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستحواذ على الجزيرة التابعة للدنمارك، دفعت القارة إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية، وإظهار استعدادها للدفاع عن سيادتها، ولو كان ذلك حتى على نحو رمزي أو استعراضي في البداية.
وعلى مدار الأسابيع الأخيرة، رفض ترامب استبعاد الخيار العسكري للسيطرة على غرينلاند، رغم تصريحاته في المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس" بعدم نيته استخدام القوة، ولاحقًا، أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الدول المشاركة في نشر قوات استطلاع رمزية في الجزيرة.
هذا الأمر دفع دول الاتحاد الأوروبي إلى التصرف بسرعة لم يعتد عليها المشهد الأوروبي التقليدي، بدءًا من تعزيز التعاون الدبلوماسي، مرورًا بنشر وحدات استطلاع، ووصولًا إلى تعزيز الاستثمارات التنموية لغرينلاند.
لكن رغم هذا التحرك المتسارع، كشفت الأزمة الحدود الحقيقية لقدرة أوروبا على مواجهة واشنطن مباشرة؛ فميزانيات الدفاع الأوروبية شهدت ارتفاعًا كبيرًا منذ 2021، لكنها بقيت معتمدة بشكل كبير على الأسلحة الأمريكية، مع استمرار التجزئة في برامج التسليح وغياب التكامل العسكري الكامل بين الدول.
ويرى المحللون أن أي تحرك جماعي لمواجهة تهديد محتمل لأراضي عضو في الناتو مثل غرينلاند يعتمد على إرادة الدول الفردية، مع تعقيدات بروتوكولية تجعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي اتخاذ قرارات عسكرية حاسمة بشكل موحد.
وبينما أظهرت الدول الكبرى اختلافًا واضحًا في مستويات تصعيدها، بما في ذلك اعتماد فرنسا على موقف صريح يدعو إلى الدفاع عن السيادة وهددت بتفعيل "المدفعية التجارية" ضد واشنطن، فإن ألمانيا تمسّكت بالتنسيق مع الناتو، معتبرة أن مواجهة الولايات المتحدة بشكل مباشر ليست خيارًا مطروحًا بسهولة، وإيطاليا، من جانبها، سخِرت من هذه العمليات العسكرية الرمزية، معتبرة نشر 15 جنديًا لكل دولة مجرد "بداية هزلية".
وفي الوقت ذاته، أظهرت الأزمة مدى الصعوبة التي تواجه أوروبا في ترجمة اليقظة الاستراتيجية إلى قدرة فعلية على حماية مصالحها، خاصة مع استمرار التبعية العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة.
وبينما أبدت القارة استعدادًا غير مسبوق للتصدي للتهديد الأمريكي، يظل السؤال الكبير قائمًا: هل ستتمكن أوروبا من تحويل هذا الاستعداد الرمزي إلى قوة حقيقية قادرة على مواجهة الحليف السابق، إذا تجاوز حدوده؟.
ويعتقد مراقبون أن أزمة غرينلاند لم تكن مجرد خلاف دبلوماسي أو تهديد اقتصادي، بل كانت اختبارًا صريحًا لقدرة أوروبا على التفكير والعمل كقوة مستقلة، وكشفًا صادمًا للواقع القاسي: القارة تتحرك عندما تصبح أمريكا الخطر، لكنها لم تحسم بعد استعدادها الحقيقي لتحمل تكاليف المواجهة.