يشكل قرار البرلمان الأوروبي تعليق المصادقة على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة محطة سياسية ثقيلة في مسار العلاقة عبر الأطلسي.
القرار جاء في سياق متشابك من الملفات الخلافية المتراكمة، وفي مرحلة تتسم بحساسية عالية داخل المنظومة الغربية، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن والاقتصاد والسيادة المؤسسية من دون مساحات فصل واضحة.
والتجميد بصيغته وتوقيته، يعكس انتقال الخلاف إلى مستوى مؤسسي علني، ويكشف عن تغير في آليات إدارة التوتر داخل الشراكة الغربية.
داخل بروكسل، جرى التعامل مع خطوة التجميد على أنها ممارسة سيادية كاملة الصلاحية، فبحسب ما أفاد به مسؤول دبلوماسي فرنسي رفيع لـ"إرم نيوز"، فإن القرار يأتي بمثابة إجراء سياسي مكتمل الأركان داخل الإطار المؤسسي للاتحاد، وهو يعبر عن موقف جماعي متماسك تجاه مسار العلاقة مع واشنطن.
وأضاف المسؤول الدبلوماسي أن "البرلمان قرأ المشهد الدولي كما هو، ورأى أن المصادقة في هذه اللحظة تضع الاتحاد في موقع المتلقي بدل الشريك، وهو موقع لم يعد مقبولًا في ظل الملفات المفتوحة".
هذا التوصيف يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن دور البرلمان بات جزءًا من هندسة السياسة الخارجية الاقتصادية.
وفي دوائر الاتحاد الأوروبي، يُنظر إلى التجميد كأداة ضغط سياسية مشروعة، تُستخدم عندما تتراكم إشارات التوتر من دون مسارات تهدئة واضحة.
وجاء قرار البرلمان الأوروبي تعليق المصادقة على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة بعد نقاشات مكثفة داخل الكتل السياسية الكبرى، وانتهى إلى توافق واسع على تجميد المسار التشريعي للاتفاق إلى أجل غير مسمى، حيث وُصفت الخطوة داخل أروقة البرلمان بأنها إجراء سياسي مباشر يعبر عن موقف جماعي.
هذا التجميد وضع الاتفاق في حالة توقف غير مسبوقة منذ التوصل إليه، وأخرج الخلاف من دائرة التفاوض التنفيذي إلى ساحة القرار البرلماني العلني.
واعتبرت تقارير إعلامية أوروبية متطابقة أن القرار يعكس تصعيدًا واضحًا في مستوى التوتر بين بروكسل وواشنطن، على الصعيد التجاري، وفي البنية السياسية للعلاقة نفسها.
والقراءة السائدة داخل المؤسسات الأوروبية تشير إلى أن التوقعات المتبادلة بشأن مستقبل التعاون الاقتصادي لم تعد متطابقة، وأن الفجوة اتسعت حول مفهوم الشراكة وحدود استخدامها في إدارة ملفات خلافية أوسع.
في المقابل، ترى واشنطن في القرار تطورًا غير مريح، لكنه مفهوم ضمن السياق السياسي الداخلي الأوروبي.
يقول مصدر دبلوماسي أمريكي مطلع لـ"إرم نيوز"، إن الإدارة الأمريكية "تتابع بدقة ما يجري داخل المؤسسات الأوروبية، وتدرك أن البرلمان بات ساحة تعبير مباشر عن مزاج سياسي أوسع".
وأضاف أن التجميد يفرض مراجعة لطريقة إدارة الحوار مع الشركاء الأوروبيين، خاصة في ظل تعدد القنوات المؤثرة.
المصدر نفسه أشار إلى أن الإدارة الأمريكية تعتبر الخطوة نتيجة تراكمات سياسية سابقة، وليست رد فعل معزول، موضحًا أن "الملفات الأمنية، من أوكرانيا إلى القطب الشمالي، تركت أثرًا مباشرًا على مناخ الثقة، وأن أي تحرك مؤسسي أوروبي في هذا التوقيت يُفهم ضمن هذا الإطار الأوسع".
في المقابل، جاء الموقف الأمريكي العلني خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث دعا وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، الشركاء الأوروبيين إلى ضبط إيقاع الردود وعدم الانخراط في خطوات متبادلة من شأنها توسيع دائرة التوتر.
بيسنت حذر أيضًا من تداعيات أي تصعيد تجاري على الأسواق العالمية، وعلى سلاسل الإمداد التي ترتبط بشكل وثيق بالاقتصادين الأمريكي والأوروبي.
وفي تصريحاته، شدد الوزير الأمريكي على أن واشنطن ما زالت ترى في الاتفاق التجاري إطارًا مهمًا للتعاون، مؤكدًا استمرار التزام الإدارة الأمريكية بالمضي في مسارها، رغم الاعتراضات القائمة داخل الاتحاد الأوروبي.
هذا الخطاب عكس رغبة أمريكية في احتواء الأزمة ضمن حدودها الاقتصادية، مع إدراك واضح بأن القرار الأوروبي يحمل أبعادًا سياسية أعمق، يصعب تجاوزها بالخطاب التهدوي وحده.
التوتر الحالي لا ينفصل عن سياقين أساسيين شكّلا ضغطًا متزايدًا على العلاقة، هما: الملف الأوكراني، بما يحمله من أعباء عسكرية ومالية وسياسية على أوروبا، والذي خلق فجوة في التوقعات المتبادلة حول حجم الالتزامات وحدودها.
في الوقت ذاته، أعاد ملف غرينلاند فتح نقاش حساس حول السيادة والنفوذ في الفضاء القطبي، وهو نقاش تجاوز الإطار الأمني ليدخل في حسابات الشراكة السياسية.
المسؤول الدبلوماسي الفرنسي لفت "إرم نيوز" إلى أن تراكم هذه الملفات جعل من الصعب تمرير اتفاقيات كبرى من دون قراءة سياسية دقيقة لتداعياتها، مؤكدًا أن القرار البرلماني جاء بعد نقاشات معمقة حول الرسائل التي يبعث بها الاتحاد إلى الداخل والخارج، وحول ضرورة تثبيت موقعه كشريك يمتلك أدواته وقراره.
وفي واشنطن، يقر دبلوماسيون بأن هذا التحول يفرض تعاملًا أكثر تعقيدًا مع أوروبا.
وقال المصدر الأمريكي إن التعامل مع الاتحاد الأوروبي اليوم يتطلب قراءة دقيقة لتوازناته الداخلية، حيث لم تعد القرارات محصورة في القنوات التنفيذية، إنما تمر عبر مؤسسات تمتلك شرعية سياسية مستقلة.
من جانبه، يرى المحلل السياسي الأمريكي المختص في تحليل تفاعلات السياسة الدولية مع الاقتصاد والأسواق العالمية، إيان بريمر، أن تعليق المصادقة الأوروبية يعكس لحظة سياسية حساسة في العلاقات عبر الأطلسي، حيث باتت القرارات الاقتصادية خاضعة مباشرة لاختبارات الثقة السياسية.
ويعتبر بريمر، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، أن الخطوة الأوروبية تشير إلى تراجع هامش الفصل بين إدارة التحالف وإدارة الخلاف داخله.
ومن وجهة نظره، فإن واشنطن تواجه واقعًا جديدًا يتمثل في أن الشركاء الأوروبيين لم يعودوا يتعاملون مع الاتفاقات الكبرى كمسارات مستقلة عن المناخ السياسي العام.
ويشير بريمر إلى أن الإدارة الأمريكية تجد نفسها أمام بنية أوروبية أكثر تشابكًا، حيث لم يعد النفوذ التنفيذي كافيًا لضمان استمرارية التفاهمات.
هذا التحول، وفق قراءته، يفرض على واشنطن إعادة تقييم أدواتها في التعامل مع الحلفاء، خصوصًا في ملفات تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية.
وفي تحليله، يلفت بريمر إلى أن استمرار هذا المسار قد يدفع الولايات المتحدة إلى اعتماد خطاب أكثر انضباطًا تجاه الشركاء، وذلك لتفادي انتقال الخلافات إلى مستويات مؤسسية يصعب احتواؤها لاحقًا.
وبالنسبة له، فإن المسألة لا تتعلق بخسائر اقتصادية فورية، لكنها تتعلق بتآكل تدريجي في القدرة على إدارة التحالف بنفس الأدوات التقليدية.
من جانبه، اعتبر الباحث الفرنسي في الشؤون الجيوسياسية، برونو ترتريه، أن قرار تعليق المصادقة يعكس تطورًا في فهم أوروبا لدورها السياسي، حيث باتت المؤسسات التشريعية جزءًا من صياغة الموقف الخارجي.
وبالنسبة له، فإن ما جرى يعبر عن وعي أوروبي متزايد بأن الشراكة مع الولايات المتحدة تحتاج إلى قواعد أكثر وضوحًا تحمي التوازن المؤسسي داخل الاتحاد.
وأشار ترتريه خلال حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن السياق العام، الممتد من أوكرانيا إلى القطب الشمالي، فرض على العواصم الأوروبية التعامل بحذر مع أي خطوة قد تُفسَّر كتنازل ضمني عن هامش القرار.
من هذا المنطلق، رأى ترتريه أن التجميد البرلماني يمثل محاولة لضبط الإيقاع السياسي، وإعادة تثبيت موقع الاتحاد كطرف يمتلك القدرة على الموازنة بين التعاون والحفاظ على استقلال قراره.
ولفت ترتريه أيضًا إلى أن هذه الخطوة تحمل بعدًا داخليًا أوروبيًا، إذ تعكس نقاشًا متقدمًا حول حدود التضامن داخل المعسكر الغربي.
وبحسب تقديره، فإن الاتحاد يسعى إلى تجنب الانزلاق إلى ردود فعل متسرعة، لكنه في الوقت نفسه يبعث برسالة واضحة مفادها أن استقرار الشراكات يتطلب احترامًا متبادلًا للمسارات المؤسسية.
وهذا التوجه، وفق ترتريه، قد يشكل أساسًا لمرحلة أكثر تنظيمًا في العلاقة، شرط أن يُقابل بقراءة واقعية من الجانب الأمريكي.