تسببت أحداث أواخر يناير 2026 في صدمة جديدة داخل النظام العسكري الصيني، بعدما تأكد أن الجنرالين تشانغ يوشيا وليو تشنلي يخضعان للتحقيق بتهم فساد وانتهاكات جسيمة لقواعد الحزب والقانون.
يأتي هذا التطور بعد غياب القائدين عن ندوة وزارية لدراسة روح الجلسة العامة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي، ما أثار تكهنات واسعة حول حملة التطهير المستمرة التي يقودها الرئيس الصيني شي جين بينغ، بحسب صحيفة "أوراسيا ريفيو".
ويشير المراقبون إلى أن هذه الجولة من التحقيقات ليست مجرد حملة لمكافحة الفساد، بل هي جزء من إعادة تشكيل السلطة داخل جيش التحرير الشعبي الصيني (PLA)، وإحكام السيطرة على اللجنة العسكرية المركزية لضمان ولاء مباشر للرئيس الصيني.
بدأت حملة شي الأولى بين 2014 و2018، واستهدفت ضباطاً نافذين من عهد جيانغ زيمين، بينما بدأت الموجة الثانية عام 2023 لاستهداف كبار الضباط في شبكة نفوذه.
خلال هاتين الحملتين، أُطيح بأكثر من 110 من كبار الضباط، بما في ذلك نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية ورئيس هيئة الأركان المشتركة.
الجنرال تشانغ يوشيا، صديق طفولة شي، كان يشغل منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، بينما كان ليو تشنلي مسؤولاً عن العمليات القتالية والاستخبارات.
ويعكس استهداف هؤلاء الضباط، رغم ولائهم الشخصي للرئيس، حرص شي على إرسال رسالة مفادها أن لا أحد بمنأى عن المساءلة، حتى أقرب الحلفاء.
هذا النهج يعكس ما يُسمى بمفهوم "الثورة الذاتية" الذي ابتكره شي، مستلهماً من فكرة ماو تسي تونغ حول الحفاظ على نقاء الحزب ومواجهة الانحطاط الداخلي، ويقضي بمعاملة الفساد والخيانة كتهديدات سياسية وجودية، وليس مجرد إخفاقات إدارية.
مع استمرار حملة الإقالات، بدأت آثارها تظهر على تماسك المؤسسة العسكرية وكفاءتها المهنية، فتركيز شي على الولاء الشخصي والنقاء الأيديولوجي على حساب الخبرة والمهارات القتالية قد يحوّل جيش التحرير الشعبي إلى قوة سياسية موثوقة لكنه ضعيف عملياً.
التغييرات المتسارعة في اللجنة العسكرية المركزية تؤدي إلى: تشرذم النخب العسكرية والشعور بعدم الأمان بين الضباط المتبقين؛ وبطء في اتخاذ القرارات العملياتية بسبب الحذر الزائد من التحدي المباشر لسياسات القيادة العليا، وتآكل الابتكار والاستقلالية القيادية، مع هيمنة المراقبين السياسيين على القرارات العسكرية.
وبينما يواصل الجيش تحديث ترسانته وهيكله، فإن تقلص جودة القيادة والكفاءات البشرية قد يجعل PLA “قوياً على الورق، وضعيفاً على الأرض”، مع مخاطر متزايدة على الاستجابة الفعالة لأي تهديد عسكري محتمل، سواء داخلياً أو إقليمياً.
على الرغم من المخاطر المحتملة، تظل احتمالات انقلاب الجيش أو تهديده المباشر لشي منخفضة، نظراً لتجزئة الجيش إلى قيادات مسرحية وأجهزة تابعة للحزب، بالإضافة إلى هيكلية قيادة موازية تخضع للرئيس مباشرة.
ومع ذلك، فإن التركيز على الولاء الشخصي قد يؤدي إلى إبطاء تنفيذ الأوامر، وانتشار التسريبات والمعلومات الحساسة خارج القنوات الرسمية، وتراجع الثقة في الترقية والمكافآت العسكرية، مما قد يضر المعنويات والروح القتالية.
في المحصلة، يبدو أن الجيش الصيني يمر بمرحلة حرجة، حيث تتصارع السيطرة السياسية مع الكفاءة العسكرية. فالتركيز على الولاء الأيديولوجي على حساب الخبرة قد يجعل جيش التحرير الشعبي أداة سياسية فعّالة، لكنه أقل استعداداً للعمليات العسكرية المعقدة، مما يشكل تحديات واضحة للأمن الإقليمي والاستقرار الاستراتيجي في آسيا.