في قاعة دافوس المترفة، حيث تُصاغ الرؤى الاقتصادية للعالم، وقف جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عارضًا تصاميم رقمية لما أسماه "غزة الجديدة"، تتضمن ناطحات سحاب زجاجية على شاطئ المتوسط، ومراكز بيانات، ومطارا دوليا، و170 برجًا ساحليًا.
بدا المشهد كإعلان عقاري فاخر، لا كمقترح سياسي لمنطقة قُتل فيها أكثر من 71 ألف فلسطيني، ويعيش نحو مليوني إنسان بين الخيام والأنقاض.
قد يُغري هذا المشهد البعض باعتباره مجرد نزعة ترامبية معتادة للمبالغة، لكن الحقيقة أعمق وأكثر خطورة؛ فما عُرض لغزة ليس حالة منفصلة، بل هو جزء من نمط متكرر تتبناه إدارة ترامب في التعامل مع النزاعات: تجاهل الجذور السياسية للصراع، وتقديم التنمية الاقتصادية بوصفها بديلاً عن السيادة والحقوق.
خلال أسابيع قليلة، طرحت واشنطن تصورات متشابهة لثلاث مناطق نزاع ملتهبة: غزة، وهضبة الجولان السورية، ودونباس الأوكرانية؛ حيث إن القاسم المشترك بينها جميعًا هو الافتراض بأن الازدهار الاقتصادي يمكن أن يحل محل الحل السياسي، وأن الشعوب قد تقبل التخلي عن السيادة مقابل الوظائف والاستثمارات.
في غزة، تُقدَّر تكلفة الخطة ما بين 25 و30 مليار دولار، وتَعِد بناتج محلي إجمالي يبلغ 10 مليارات دولار بحلول عام 2035، ونصف مليون وظيفة؛ لكن كل ذلك مشروط بنزع سلاح حماس، ودون أي تمثيل فلسطيني في هيئة الحكم أو حتى في "مجلس السلام" المشرف على المشروع.
في الجولان، تقترح الخطة الأمريكية تحويل منطقة محتلة إلى مركز اقتصادي مشترك يضم منتجع تزلج، ومزارع رياح، ومصانع أدوية، مقابل وعود بـ4 مليارات دولار نموًا اقتصاديًا، في تجاهل تام لسيادة سوريا وحقوقها الإقليمية.
أما في دونباس، فتطرح واشنطن فكرة "منطقة اقتصادية حرة" تنسحب منها القوات الأوكرانية، على أمل أن تلتزم روسيا بعدم التقدم. من سيضمن الأمن؟ ومن سيدير المنطقة؟ أسئلة بلا إجابات.
هذه الأفكار ليست جديدة؛ فقد جُرّبت مرارًا، خاصة في الحالة الفلسطينية، وفشلت في كل مرة. في تسعينيات القرن الماضي، روّج شيمون بيريز لفكرة "السلام الاقتصادي" خلال عملية أوسلو، لكن النتيجة كانت توسع الاحتلال واندلاع الانتفاضة الثانية.
وفي 2007، حاول توني بلير إنعاش الاقتصاد الفلسطيني عبر مشاريع "سريعة الأثر"، متجاهلًا تحذيرات البنك الدولي من أن الاستثمار دون إنهاء الاحتلال محكوم عليه بالفشل.
النمط واضح، تنمية بلا سيادة، واستثمار بلا عدالة، ووعود بلا سلام.
المشكلة القاتلة في مقاربة ترامب أنها تقلب المعادلة؛ فهي تضع الاقتصاد قبل السياسة، متجاهلة أن الأزمات الاقتصادية ليست سبب النزاعات، بل نتيجة لها؛ فلا مستثمر جادًا يضخ أمواله في بيئة بلا استقرار سياسي أو سيادة قانون.
ولا يمكن لواشنطن، في ظل غياب تسوية سياسية حقيقية، أن تضمن أيًا من ذلك.
في غزة، لا انسحاب إسرائيليًا ولا اتفاق سياسيًا؛ بينما في الجولان، لا سلام بين إسرائيل وسوريا. وفي دونباس، لا ضمانات تمنع تكرار التوغل الروسي. ما يُعرض ليس استثمارًا، بل رهانًا على الوهم.
وتابع التقرير: "يفترض هذا النهج ضمنيًا أن الشعوب مجرد فاعلين اقتصاديين، يمكن إقناعهم بالتخلي عن حقوقهم السياسية مقابل رفاه مادي؛ لكن الفلسطينيين ليسوا مستهلكين يبحثون عن وظائف فقط، بل شعب يسعى للحرية والكرامة، والسوريون ليسوا ورقة تفاوض تُشترى بمنتجعات تزلج، والأوكرانيون لن يتنازلوا عن قلبهم الصناعي مقابل منطقة اقتصادية بلا أمن، والدول ليست شركات، والسيادة ليست صفقة، وحق تقرير المصير لا يُقاس بالناتج المحلي الإجمالي".
ترامب، رجل الأعمال، يرى العالم كسلسلة صفقات؛ لكن ما ينجح في العقارات يفشل في الجغرافيا السياسية، فمقترحاته لا تطلب تنازلات حقيقية من الأطراف الأقوى، بل تُحمّل كلفة "السلام" للضحايا وحدهم. هذا ليس اتفاقًا، بل هو استسلام مغلف بلغة التنمية.
إن ما يطرحه ترامب ليس إعادة ابتكار لصناعة السلام، بل إعادة تدوير لاستراتيجية نيوليبرالية فاشلة، بثلاث واجهات مختلفة، فلقد تغيرت الرسومات، وكبرت الأرقام، لكن المنطق ذاته بقي كما هو، وكذلك النتيجة المتوقعة.
لا يمكن شراء السلام. ولا يمكن استبدال الحقوق بالاستثمارات. ولا يمكن حل النزاعات السياسية بحلول اقتصادية مؤقتة. أي مسار يتجاهل السيادة وحق تقرير المصير محكوم عليه بالفشل، مهما بدا براقًا على شاشات دافوس.