وكالة "فيتش": المخاطر الائتمانية الناجمة عن حرب إيران لا تزال مرتفعة رغم وقف إطلاق النار
تمضي طهران نحو مسار تفاوض مباشر مع واشنطن في إسلام آباد، في وقت تتصاعد فيه الضربات الإسرائيلية التي تستهدف مواقع حزب الله داخل لبنان، وبنيته التشغيلية، وشبكات الإمداد.
ويضع هذا التزامن موقع القرار الإيراني ضمن بيئة ميدانية ضاغطة تتراجع فيها قدرة الحزب على تثبيت إيقاع اشتباك مستقر.
ويظهر أثر هذا التراجع على موقع إيران الإقليمي، ما يدفعها إلى التحرك ضمن مسار تفاوضي يتشكل تحت ضغط ناتج عن تآكل أدواتها الإقليمية.
وتنسجم هذه القراءة ما يلفت إليه الباحث في الشؤون الإيرانية محمد خيري، الذي يرى خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن الضغوط الميدانية، خاصة في لبنان، تدفع نحو واقع تتحرك فيه الساحات بإيقاعات متباعدة، بما يعكس تراجع القدرة على إدارة الجبهات ضمن إطار موحد.
ويتوزع النشاط المرتبط بإيران عبر الساحات الإقليمية دون إيقاع موحد، حيث يتراجع مستوى الاشتباك في لبنان تحت ضغط الضربات الإسرائيلية التي تستنزف البنية الميدانية لحزب الله، ويتخذ نشاط الحوثيين في اليمن طابعًا متقطعًا محدود الأثر إقليميًا، بينما يظهر حضور الفصائل التي تدعمها طهران في العراق ضمن نطاق ضيق لا ينتج تأثيرًا إقليميًا واسعًا، ما يكشف عجزًا عن إدارة مسار متماسك بين هذه الساحات، ويضعف إمكانية تحويل هذه الجبهات إلى أدوات ضغط فعالة داخل مسار المواجهة.
ويوضح خيري أن هذا التباعد يرتبط أيضًا بتأجيل إشراك هذه الأذرع أو تشغيلها بشكل متدرج، ضمن نمط إدارة يقوم على توزيع التوقيت بدل إنتاج فعل متزامن، في سياق تحكمه حسابات الكلفة، حيث يؤدي أي توسع متزامن في الاشتباك إلى ضغوط اقتصادية وسياسية إضافية تحد من القدرة على إنتاج تأثير إقليمي واسع ضمن مسار واحد.
تتجه طهران إلى إسلام آباد في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان و بأعباء اقتصادية متراكمة ناتجة عن العقوبات، هذا الواقع يدفع نحو استخدام التفاوض لإدارة الكلفة المباشرة المتصاعدة مع تراجع فاعلية حضورها عبر الوكيل اللبناني.
وتشير تقديرات دبلوماسية غربية لـ"إرم نيوز" إلى أن المسار الجاري يرتبط بمحاولة ضبط الإيقاع الإقليمي أكثر من إعادة صياغة التوازنات، في ظل تراجع القدرة على استخدام الساحات المرتبطة بإيران كأدوات ضغط متزامنة.
ومع استمرار استنزاف حزب الله يتقدم هذا المسار لاحتواء التراجع الجاري على الأرض ضمن بيئة تضغط باتجاه تقليص تأثيرها الإقليمي. ويظهر هذا المسار استعدادًا لإدارة التراجع على حساب الأذرع المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في العلاقات الدولية أبو بكر الديب، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن هذا التزامن بين التفاوض والضغط الميداني يعكس انفصالًا متزايدًا بين المسار العسكري والمسار الإستراتيجي، ويكشف حدود القدرة على إدارة الجبهات بالإيقاع الذي اعتمدته طهران سابقًا.
كذلك يضيف الديب أن الضغوط الإسرائيلية والإقليمية تدفع نحو التعامل مع كل ساحة بشكل منفصل، ما يعكس تراجع التكامل الذي حكم هذه الجبهات في مراحل سابقة، في وقت تشير فيه هذه التطورات إلى بداية تفكك جزئي في بنية المحور مع تزايد استقلالية الساحات عن القرار المركزي.
ويرى أن هذا الواقع يرتبط بتداخل الضغوط العسكرية والاقتصادية، ما يفرض إعادة ترتيب الأولويات والتركيز على المسار التفاوضي تحت ضغط مستمر.
وتتحرك الساحات المرتبطة بإيران بإيقاعات متباعدة، حيث يعمل كل مسرح وفق ظروفه المحلية وحدود تأثيره الخاصة، ويضعف القدرة على تحويل أي ساحة إلى عنصر ضغط فعّال، ومع استمرار هذا الواقع يتراجع الربط العملياتي بين هذه الساحات ويتحول الحضور المرتبط بطهران إلى شبكة مفككة تفتقر إلى تنسيق مركزي قادر على إنتاج تأثير إقليمي واضح.
ويمضي المشهد الحالي ضمن مسار يتراجع فيه تماسك الشبكة المرتبطة بإيران، حيث يؤدي اختلاف الإيقاع بين الساحات إلى إضعاف البنية المشتركة، وتتجه العلاقة بينها نحو حالة تفكك تقلل من قدرتها على العمل ضمن إطار واحد، كما يحد هذا الواقع من القدرة على إنتاج ضغط جماعي، ويكشف حدود الفاعلية داخل هذه الشبكة، مع استمرار تآكل هذا الترابط.
ضمن هذا السياق يتبلور سلوك ميداني منخفض الوتيرة يحافظ على مستوى اشتباك محدود دون توسع، ما يعكس توجهاً نحو تهدئة جزئية تخدم استمرار المسار التفاوضي، ويكشف ارتباط هذا الإيقاع بمحاولة تثبيت التفاوض تحت ضغط مستمر، حيث يجري ضبط الساحات بما يمنع انتقال المواجهة إلى نطاق أوسع. كما توضح مصادر دبلوماسية أن هذا النمط من التهدئة لا يرتبط بوقف المواجهة بقدر ما يعكس إدارة محدودة للاشتباك تواكب المسار التفاوضي دون تغيير جوهري في طبيعة الصراع.
ويتشكل المسار الحالي من ضغط ميداني مباشر على أدوات إيران في لبنان ومن مسار تفاوضي يفرض شروطه عبر البيئة الدولية، هذا التداخل يدفع طهران إلى فصل الجبهات وتقليص قدرتها على ربطها، ومع تراجع تماسك المحور تتجه إلى إدارة المرحلة بمنطق تقليل الخسائر، ضمن سياق يحدد حدود نفوذها داخل الإقليم.