خلص تحليل نشره موقع "المونيتور" إلى أن تعمّق الأزمة الاقتصادية في إيران لا ينعكس بالتساوي على جميع الفاعلين داخل النظام، في ظل تفاوت بنيوي واضح في قدرتهم على تحمّل الصدمات الاقتصادية والاجتماعية.
ودفع تدهور العملة وارتفاع معدلات التضخم شرائح واسعة من المجتمع، ومنها أجزاء كبيرة من الطبقة الوسطى، نحو تآكل معيشي أكبر، إلا أن "الحرس الثوري" احتفظ بهوامش مناورة اقتصادية أوسع، مكّنته من امتصاص آثار الأزمة، وتحويل بعض اختلالاتها لمصادر قوة إضافية.
وتُظهر التطورات التي شهدتها البلاد منذ أواخر عام 2025، حين فجّر الانهيار المالي موجة احتجاجات غير مسبوقة، حدود قدرة الحكومة على إدارة الأزمة أو احتوائها.
ومع تزايد العزلة الخارجية وتقلّص الخيارات الاقتصادية، باتت أدوات الدولة المدنية أكثر هشاشة، في مقابل صعود دور فاعلين يمتلكون شبكات موازية وقدرة على العمل خارج القنوات الرسمية.
في هذا السياق، لا يُقرأ صمود الحرس الثوري بوصفه استثناءً ظرفياً، بل نتيجة لمسار طويل حوّله من قوة عسكرية عقائدية إلى فاعل اقتصادي متشعّب، حاضر في معظم القطاعات الاستراتيجية، من البنية التحتية واللوجستيات إلى الاتصالات والتمويل والطاقة.
ويرى محللون أن هذا التموضع العميق وفّر له حماية نسبية من الصدمات التي أنهكت القطاع الخاص وأضعفت المالية العامة للدولة.
ويقول علي ألفونه، الباحث في "معهد دول الخليج العربية"، إن غياب الشفافية يجعل من الصعب قياس الحجم الحقيقي لهذا النفوذ، "لكن من غير المرجّح أن تكون الاحتجاجات الأخيرة قد تركت أثراً ملموساً على العمليات الاقتصادية للحرس".
أدّت العقوبات الدولية والعزلة الاقتصادية إلى تقليص الإيرادات العامة، وزيادة الضغط على الموازنة، وتسريع انزلاق شرائح اجتماعية واسعة نحو الفقر. غير أن هذه العوامل نفسها أسهمت في إعادة تشكيل ميزان القوة داخل الاقتصاد، عبر إضعاف الفاعلين غير المرتبطين بالحرس، ودفع النشاط الاقتصادي نحو مساحات غير رسمية يمتلك الحرس خبرة طويلة في إدارتها.
ويرى ريتشارد نيفيو، الباحث في "جامعة كولومبيا" والمسؤول الأميركي السابق، أن العقوبات عزّزت هذا الاختلال، مشيراً إلى أن "الحرس لا يزال عنصراً محورياً في النظام، فيما تعجز بقية مكوّنات الاقتصاد الإيراني عن المنافسة في ظل ضغط العقوبات وهيمنته القائمة".
ويُضاف إلى ذلك اعتماد الحرس على شبكات معقّدة من الشركات الواجهة، والهياكل غير الشفافة، والقنوات المالية غير الرسمية، ما مكّنه من مواصلة النشاط في بيئة عالية المخاطر، في وقت تتراجع فيه قدرة الشركات الأكثر انكشافاً على الصمود.
يولي التحليل أهمية خاصة للدور المتنامي للحرس الثوري في قطاع النفط، الذي تحوّل إلى شريان مالي حاسم للاقتصاد الإيراني المحاصر. ويُفهم هذا الدور بوصفه امتداداً لمسار تاريخي تشكّل عند تقاطع الحرب والعقوبات والتصميم السياسي، منذ مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب العراقية–الإيرانية، وصولاً إلى ترسيخ الحضور في القطاعات الحيوية.
ووفق تقرير لوكالة "رويترز" في نهاية عام 2024، بات الحرس يسيطر على نحو نصف صادرات النفط الإيراني، مقارنة بنحو 20% في عام 2021، مع امتداد نفوذه عبر سلسلة القيمة كاملة، من أساطيل شحن غير معلنة إلى شبكات تسويق الخام المخفَّض، ولا سيما إلى الصين.
وتقدّر "إدارة معلومات الطاقة الأميركية" صادرات إيران بنحو 1.5 مليون برميل يومياً في عام 2024، بعائدات بمليارات الدولارات رغم الخصومات، فيما بلغ الإنتاج نحو 3.3 مليون برميل يومياً في عام 2025، ما وضع إيران في المرتبة الثالثة داخل "أوبك".
في موازاة ذلك، تواصل الولايات المتحدة التلويح بتصعيد الضغوط. فقد حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تداعيات فشل المفاوضات النووية، فيما تتوسّع العقوبات لتشمل شبكات مالية وأدوات رقمية مرتبطة بالحرس.
غير أن التحليل يحذّر من أن هذه المقاربة، في غياب مسار إصلاحي داخلي أو انفتاح اقتصادي منظّم، قد تؤدي عملياً إلى تعزيز موقع الحرس، لا إضعافه. ويشير ألفونه إلى أن أي تراجع في إيراداته من مشاريع البنية التحتية يمكن تعويضه عبر النفط والسوق السوداء.
أما نيفيو، فيرى أن الفرصة الأكثر جدّية لإعادة التوازن داخل الاقتصاد الإيراني كانت خلال اتفاق عام 2015 النووي، حين فُتح المجال أمام الشركات الأجنبية مع الإبقاء على العقوبات المفروضة على الحرس. ومع انسحاب واشنطن من الاتفاق عام 2018، أُغلق هذا الهامش، وترسّخ اقتصاد أكثر تمركزاً.
يخلص التحليل إلى أن إيران تبدو اليوم أكثر هشاشة اقتصادياً واجتماعياً مما كانت عليه قبل أشهر، مع ارتفاع احتمالات الاضطراب الداخلي أو التصعيد الخارجي.
وبينما قد تضرب سيناريوهات قصوى، مثل فرض حظر نفطي شامل، إيرادات الحرس في نهاية المطاف، فإن كلفتها الإقليمية المرتفعة تجعلها خياراً محفوفاً بالمخاطر.
في المحصّلة، سواء تمكّن النظام من الصمود، أو حصل على متنفس محدود عبر تخفيف العقوبات، أو انزلق إلى مواجهة أعمق، فإن الاقتصاد الموازي للحرس الثوري، المتشعّب والمعتم، لا يبدو مجرد ضحية للأزمة، بل أحد أبرز المستفيدين من بنيتها المختلّة.