logo
العالم

"مستعمرة الموت".. نافالني يعيد فتح ملف اغتيالات موسكو السياسية

المعارض الروسي أليكسي نافالنيالمصدر: شاترستوك

أعادت وفاة المعارض الروسي أليكسي نافالني داخل "مستعمرة عقابية" في القطب الشمالي إحياء سجل طويل من عمليات الاغتيال المرتبطة بالسموم، في سياق تاريخي يمتد من الحقبة القيصرية مرورًا بالاتحاد السوفياتي وصولًا إلى روسيا المعاصرة.

وبحسب تحليل لصحيفة "التايمز" البريطانية، فإن الاشتباه في استخدام سم مستخرج من ضفدع السهم في أمريكا الجنوبية لقتل نافالني لم يكن مفاجئًا للمراقبين الذين يرون أن السم أصبح أداة سياسية متكررة تجمع بين الفتك وإمكانية الإنكار.

أخبار ذات علاقة

ضفدع السهم

"ضفدع السهم".. كشف لغز اغتيال المعارض الروسي أليكسي نافالني

وفاة أنهت مسارًا متوقعًا

وفي 16 شباط/فبراير 2024، توفي نافالني، أبرز معارض للرئيس فلاديمير بوتين، داخل زنزانة صغيرة في منشأة احتجاز شديدة العزلة. وصفت السلطات الروسية الوفاة بأنها مفاجئة وطبيعية، لكن عائلته وأنصاره أكدوا منذ اللحظة الأولى أنه قُتل.

لاحقًا، قالت زوجته يوليا نافالنايا إن تحاليل أُجريت في مختبرين غربيين أظهرت تعرضه لمادة سامة، قبل أن يشير إعلان رسمي بريطاني إلى أن المادة يُعتقد أنها سم ضفدع سام.

وترى الصحيفة أن هذه الفرضية تتماشى مع نمط طويل من العمليات التي تُنفّذ بوسائل يصعب إثباتها قانونيًا، لكنها تحمل رسالة سياسية واضحة.

تاريخ طويل من الاغتيالات السامة

استخدام السموم في الصراعات السياسية ليس جديدًا في روسيا؛ فخلال الحرب الباردة استُخدمت مواد سامة ضد معارضين ونشطاء، وأصبح اغتيال المنشق البلغاري جورجي ماركوف في لندن عام 1978 مثالًا كلاسيكيًا على ذلك، حين قُتل برصاصة دقيقة محقونة بمادة الريسين أُطلقت من مظلة.

لكن الحقبة الحديثة قدمت أمثلة أكثر إثارة للقلق؛ فقد توفي المنشق الروسي ألكسندر ليتفينينكو عام 2006 بعد تسميمه بالبولونيوم-210 في لندن، في واحدة من أكثر عمليات الاغتيال تعقيدًا وإثارة للجدل في أوروبا الحديثة. وبعد أكثر من عقد، تعرّض العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته لهجوم بغاز نوفيتشوك في بريطانيا عام 2018.

وتشير الصحيفة إلى أن السموم تُعد أداة مفضّلة لأنها توفر مزيجًا فريدًا من الردع والغموض؛ إذ تتيح تنفيذ الاغتيال من دون ترك أدلة مباشرة أو تحديد مسؤولية واضحة، ما يصعّب المساءلة السياسية والقانونية.

الرسالة السياسية وراء السم

ويرى خبراء أمنيون أن هذه العمليات تحمل رسالة تتجاوز الضحايا أنفسهم؛ فالمغزى لا يقتصر على إزالة خصم سياسي، بل يمتد إلى إيجاد ردع نفسي للمعارضين المحتملين.

وبحسب مصادر أمنية نقلت عنها الصحيفة، فإن الرسالة الضمنية هي أن الدولة قادرة على الوصول إلى خصومها في أي مكان، وبأساليب لا يمكن إثباتها بسهولة. هذه الضبابية تمنح منفذي العمليات مساحة للإنكار، وتُعقّد أي مساءلة دولية.

ولا تقتصر الأساليب على السموم؛ فقد توفي عدد لافت من مسؤولين ورجال أعمال ونقاد للكرملين بعد سقوطهم من نوافذ أو شرفات في حوادث وُصفت رسميًا بالانتحار. وتشير الصحيفة إلى أن هذا النمط يندرج ضمن أدوات الردع الغامضة التي تترك مساحة للشك وتحدّ من المحاسبة.

لماذا كان نافالني خطرًا؟

لم يكن نافالني زعيمًا حزبيًا تقليديًا أو صاحب نفوذ مؤسسي، لكنه شكّل تحديًا استثنائيًا للنظام الروسي بسبب أسلوبه في كشف الفساد. وعبر تحقيقات مطوّلة ومقاطع فيديو واسعة الانتشار، كشف ثروات وممتلكات مرتبطة بنخبة السلطة، ما أكسبه قاعدة جماهيرية واسعة داخل روسيا.

وتقول الصحيفة إن نافالني أدرك مبكرًا أن نقطة ضعف النظام ليست الأيديولوجيا بل الفساد؛ لذلك ركّز نشاطه على توثيق ثروات النخبة وإظهار الفجوة بين الطبقة الحاكمة والمواطنين.

ومن أبرز تحقيقاته فيلم وثائقي عن قصر فاخر على البحر الأسود يُعتقد أنه مرتبط ببوتين، حصد عشرات الملايين من المشاهدات، وحوّل قضية الفساد من مفهوم مجرد إلى صورة ملموسة أثارت غضبًا واسعًا.

محاولة اغتيال سبقت وفاته

لم تكن وفاة نافالني أول محاولة لقتله؛ ففي آب/أغسطس 2020 انهار خلال رحلة جوية داخل روسيا بعد تعرضه لغاز نوفيتشوك. لاحقًا، توصل تحقيق استقصائي إلى ربط العملية بعناصر من جهاز الأمن الفدرالي الروسي.

وبعد تلقي العلاج في ألمانيا، واجه نافالني خيار البقاء في المنفى أو العودة إلى روسيا. اختار العودة مطلع عام 2021 رغم خطر الاعتقال، معتبرًا أن المنفى يعني فقدان التأثير السياسي.

واعتُقل فور وصوله، ودخل في سلسلة محاكمات وأحكام بالسجن، نُقل خلالها بين مراكز احتجاز عدة قبل إرساله إلى مستعمرة عقابية في القطب الشمالي.

وخلال فترة سجنه، واصل نافالني نشر رسائل ومذكرات نقلت تفاصيل حياته خلف القضبان، ما حافظ على حضوره السياسي رغم العزلة. لكن السلطات شددت القيود تدريجيًا، ونُقل إلى مرافق أكثر عزلة وقسوة، في نظام وصفه مراقبون بأنه يهدف إلى محو حضوره العام.

وبحسب التحليل، فإن عزله الكامل جعل وفاته تبدو تتويجًا لمسار طويل من التضييق المتصاعد. 

أخبار ذات علاقة

ماركو روبيو

روبيو يعرب عن قلقه من استخدام روسيا "سم الضفدع" باغتيال نافالني

موت يعيد الجدل الدولي

أعادت وفاة نافالني إلى الواجهة النقاش حول استخدام السموم والوسائل الغامضة في الصراعات السياسية. وبينما تنفي موسكو أي تورط، يرى مراقبون أن القضية تعكس نمطًا أوسع من التعامل مع المعارضين.

وتخلص "التايمز" إلى أن استخدام السم يتجاوز كونه وسيلة قتل، ليصبح أداة نفسية تمتد إلى ما هو أبعد من الضحية نفسها، وتُظهر أن الصراع السياسي في روسيا لا يزال مرتبطًا بأدوات سرية تعود جذورها إلى عقود طويلة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC