تُهدد 4 كلمات فقط، نطق بها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي خلال عشاء رسمي في طرابلس الليبية العام 2007، براءته في قضية أموال القذافي، وفق ما كشفته شهادة مكتوبة مدوّية من مساعده السابق كلود غوان.
" كلود، تابع هذا الأمر"، هذه الكلمات قد تكون كافية لتدمير خط الدفاع الذي بناه الرئيس الفرنسي السابق على مدار 6 أسابيع من المحاكمة الاستئنافية بالقضية المعروفة إعلاميا بأموال القذافي.
طوال سنوات التحقيق ثم خلال المحاكمة الابتدائية، قام دفاع ساركوزي على ركيزة واحدة: "لم أكن أعلم شيئاً"، لا عن اجتماعات مساعديه مع عبد الله السنوسي صهر الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي وأحد مرتكبي هجوم طائرة UTA عام 1989 (170 ضحية بينهم 54 فرنسياً)، ولا عن الأموال، أو حتى الصفقات.
لكن غوان، الغائب عن الجلسات لأسباب طبية في عمر الحادية والثمانين، قرر الرد بالحبر بدلاً من الكلام. رسالة من 3 صفحات أُلقيت على المحكمة يوم 14 أبريل/نيسان، كقنبلة.
"الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو أنني لم أُخبره فوراً"، هذه العبارة وحدها تُقوّض ادعاء ساركوزي بجهله التام، إذ تفتح الباب أمام احتمال أن الإخبار حدث لاحقاً، ثم جاءت الضربة الأكبر: رواية عشاء طرابلس.
ووفق ما ترويه صحيفة "لوموند"، خلال وليمة رسمية في ليبيا بعد الإفراج عن الممرضات البلغاريات في يوليو 2007 - أي بعد أن صار ساركوزي رئيساً - استدعاه ساركوزي ليسمع القذافي يكرر "قلقه" إزاء وضع السنوسي.
وختم الرئيس الفرنسي بجملته المألوفة: "كلود، تابع هذا الأمر"، وبحسب غوان، فإن رحلاته الأربع إلى ليبيا بين 2008 و2010 كانت "بالطبع بطلب من الرئيس"، وكان موضوعها جزئياً "بيع معدات دفاعية لليبيا".
كان ساركوزي في قاعة المحكمة قد نفى علمه بتلك الرحلات، بل أعلن صراحة أن "دور الأمين العام ليس مضاعفة التنقلات إلى الخارج". اضطر بعدها للتراجع معترفاً بأن غوان كان يمثل الإليزيه، لكنه تذرع بأنه لم يكن معنياً بتلك التفاصيل.
من جهتها، تتابع "لوفيغارو" بدقة الخيط المالي الذي ينسج خيوطه المدّعون العامون. المبلغ الأساس: 500 ألف يورو وصلت، العام 2008، إلى حساب غوان في BNP Paribas عبر طرق ملتوية.
المسار: من حساب شخصي للملياردير خليجي، مروراً بحساب مكتب محاماة ماليزي، وصولاً إلى غوان، والذريعة: ادّعى غوان أنها ثمن بيع لوحتين للرسام الفلمنكي أندريس فان إيرتفيلت. الحكم الابتدائي: بيع وهمي، والوثائق مزوّرة.
الأموال التي "سُدّدت"، لاحقاً، جاءت من شركات وهمية، آخرها شركة "بيدوكس" البنامية التي أدارها المصرفي السويسري وهيب ناصر. في مكاتبه في جنيف، وجد المحققون مئات من كشوف الحسابات مغطاة بتعليقات يدوية: "غرفة مقاصة سرية، غير مرئية" كما وصفها حكم الدرجة الأولى، حيث كانت أموال ضخمة تدور بين حسابات موزّعة بحسابات فرعية للأفراد.
ترصد "لوموند" التناقض الصارخ في إستراتيجية الدفاع. ساركوزي وصف غوان بـ"اليانسيني" العابد للعمل، ثم لمّح بأنه "ربما كان ضحية للمحتالين". وعن مساعده بريس أورتوفيو قال إنه لا يعرف لماذا زار ليبيا، ليتبيّن، لاحقاً، أن الزيارة موثقة في مذكرات زياد تاكييدين، رجل أعمال فرنسي-لبناني لعب دور المحور في قضية التمويل الليبي، إضافة إلى المسّ بعلاقته مع محاميه تييري هيرزوغ الذي دافع عنه في قضايا عديدة أثار غضباً شديداً.
المفارقة اللاذعة، كما تلاحظها الصحيفة: ساركوزي حين شكّك في مصداقية غوان أيقظ "الكاردينال النائم". محامي غوان لم يتوانَ عن الرد: "مجرد الهجوم على كلود غوان سيستدعي ردّاً". وفي الجلسة التالية صرّح علناً: "كل ما أقدم عليه كلود غوان كان دائماً تحت سلطة نيكولا ساركوزي وبتوجيهاته".
حدّد رئيس المحكمة أوليفييه جيرون، يوم 29 أبريل، موعداً لمواجهة ثلاثية بين ساركوزي، وأورتوفيو، وغوان، ضمن جلسات دراسة شخصية المتهمين. وفق لوموند، يتجاوز ذلك مجرد تحضير للمرافعات: إنها الفرصة لإجبار ساركوزي على مواجهة جملتي غوان اللتين لم يتوقعهما - "فوراً" و"كلود، تابع هذا الأمر" - في مواجهة مباشرة.
المفارقة الدرامية تكتمل بمحامي غوان الذي أوضح أن مستقبل موكله "مات بسبب هذه القضية. صحته تدهورت. وكل ما فعله كان بموافقة رئيسه".
رسالة غوان التي جاءت رداً على اتهامات ساركوزي له كشفت ما أرادت أن تُخفيه: أن "الأمانة" المطلقة لعقود طوال قد تنتهي أحياناً في قاعة المحاكم.