مثل الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الثلاثاء 7 أبريل، أمام القضاة بمحكمة الاستئناف بباريس في أصعب اختبار قضائي في مسيرته، رافضاً الاتهامات التي تفيد بأنه سعى للحصول على تمويل ليبي لحملته الانتخابية عام 2007 مقابل المساعدة في تحسين صورة طرابلس بعد تفجيرات دامية.
ووصل ساركوزي، برفقة زوجته كارلا بروني، إلى محكمة قصر العدل بالعاصمة الفرنسية، وخلال محاكمة الاستئناف قال للقضاة إنه "بريء".
فالرجل الذي حكم فرنسا بين 2007 و2012 يواجه حكماً من الدرجة الأولى صدر في سبتمبر 2025 بالسجن خمس سنوات نافذة في قضية التمويل الليبي، والمساءلة التي ستستمر أمام القضاة لثلاثة أيام ستحدد إن كان الرئيس السابق سينجو من السجن أم لا.
ما يجعل هذه الجلسة مختلفة عن سابقاتها هو أن المتهمين المشاركين له في القضية سبق أن أدلوا بشهاداتهم، وبعضها أربك الدفاع. برييس أورتوفو، أقرب مساعديه، أكد أنه لم يُخبر ساركوزي باجتماعه مع عبد الله السنوسي، المساعد المباشر للقذافي، في ديسمبر 2005، لكن القضاة لم يُبدوا اقتناعاً كاملاً بهذا الطرح.
ساركوزي الآن مُلزَم بأن يُقنع المحكمة بما عجز غيره عن تقديمه: كيف يكون الرجل المسؤول عن الملف الليبي في فرنسا جاهلاً بهذا اللقاء؟
الملف الثاني يتعلق بالوسيط ألكسندر دجوهري، المحكوم عليه في الدرجة الأولى، والذي زار قصر الإليزيه 59 مرة خلال ولاية ساركوزي. الرواية الرسمية كانت أنهما التقيا أول مرة في مطعم بريستول في ربيع 2006، أي بعد بدء الصفقة المزعومة.
لكن دجوهري خرج في 23 مارس عن هذه الرواية، مُشيراً إلى أن اللقاء الأول كان في شقة وزارة الداخلية في عهد شيراك "بطلب من الرئيس شيراك وبحضور كلود غيان".
أما بشير صالح، الأمين المالي للقذافي والمحور الأساسي في قضية التمويل وفق النيابة العامة، فيعيش خارج فرنسا رافضاً المثول، لكن شهادته المسجلة تُلقي بظلالها. وقد أفاد صالح بأنه قُدّم لساركوزي "حين كان وزيراً للداخلية"، في تناقض صريح مع رواية ساركوزي القائلة بأنه لم يعرفه إلا بعد انتخابه عام 2007.
ما لفت الانتباه منذ افتتاح جلسة الاستئناف في 16 مارس هو صمت ساركوزي اللافت، وهو رجل اشتهر بالحضور الطاغي والخطاب المعاكس لكنه اختار هذه المرة الصمت المحسوب: رفض إلقاء بيان افتتاحي، وامتنع عن التعليق على مرافعات الأطراف المدنية.
ووفق صحيفة "لو فيغارو"، يبدو أنه استوعب درس المحاكمة السابقة: الكلمة الزائدة أمام القضاة قد تُحدد مصيراً، والمحاكمة ليست مهرجاناً خطابياً.
النيابة العامة تُلوّح بما هو أشد: إعادة إدراج تهم "الفساد السلبي" التي أُسقطت في الدرجة الأولى. وإن نجحت في ذلك، فالعقوبة المحتملة ستكون أثقل مما صدر بالفعل.
الأسئلة التي يعلم الجميع أن القضاة سيطرحونها واضحة: متى تحديداً التقى ساركوزي بدجوهري للمرة الأولى؟ وكيف بقي غافلاً عن اللقاء الذي عقده أقرب مساعديه مع رجل القذافي الأبرز؟ وهل كانت زيارة القذافي الشهيرة إلى باريس في ديسمبر 2007، وما تلاها من عقود نفطية مع "توتال"، بمعزل عن أي تعهدات سابقة؟
قضية التمويل الليبي، التي فجّرها موقع "ميديابار" عام 2012 خلال الحملة الانتخابية، وأمضت السلطة القضائية الفرنسية قرابة خمس عشرة سنة في التحقيق فيها، تقترب من محطتها الفاصلة.
والمفارقة أن الرجل الذي اعتاد إدارة الأزمات من الأعلى يجد نفسه في موقع المتهم الذي لا يملك من أوراقه سوى كلماته للنجاة من السجن.