تمثل التحويلات المالية من المغتربين أحد أهم شبكات الأمان الاجتماعي غير الرسمية في أفريقيا، بل أصبحت خلال العقد الأخير المصدر الأول للتدفقات المالية إلى القارة، متقدمة على المساعدات الإنمائية والاستثمارات الأجنبية المباشرة.
غير أن قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض ضريبة بنسبة 1% على التحويلات المالية الصادرة من الولايات المتحدة يهدد بتقويض هذا الشريان الحيوي، خصوصاً في ظل تراجع المساعدات الدولية وتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).
في العام 2024، تلقت أفريقيا نحو 104.8 مليار دولار من تحويلات جالياتها في الخارج. وتصدرت مصر قائمة الدول الأفريقية المستفيدة بقيمة 29.5 مليار دولار، تلتها نيجيريا بـ 21.3 مليار دولار، ثم المغرب بـ 12.5 مليار دولار.
وبحسب بنك التنمية الأفريقي، أصبحت هذه التحويلات أكبر مصدر للتدفقات المالية إلى القارة خلال السنوات العشر الماضية، وفي سبع دول أفريقية تشكل أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
دخلت الضريبة الجديدة حيز التنفيذ مطلع عام 2026 ضمن قانون أطلقت عليه الإدارة الأمريكية اسم "المعاملة الشاملة والجميلة".
وعلى الرغم من أن الإجراء لا يستثني المواطنين الأمريكيين، فإنه يستهدف عملياً الجاليات الأجنبية المقيمة في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها الجاليات الأفريقية التي تعتمد أسرها في بلدان المنشأ بشكل مباشر على هذه الأموال.
ورغم أن نسبة 1% تبدو محدودة ظاهرياً، فإن الدراسات تشير إلى أن أثرها قد يكون مضاعفاً؛ فقد قدّر المركز الأوروبي لأبحاث الحوكمة والتنمية الاقتصادية (Cege) أن كل زيادة بنسبة 1% في تكلفة إرسال الأموال تؤدي إلى انخفاض قدره 1.6% في حجم التحويلات.
وهذا يعني أن ملايين الدولارات قد تختفي من اقتصادات تعتمد عليها الأسر لتأمين معيشتها اليومية.
توضح فلور غوبير، الخبيرة الاقتصادية ومديرة الأبحاث في المعهد الفرنسي للبحوث من أجل التنمية (IRD)، أن التحويلات المالية تمثل بطبيعتها "مصدر دخل أساسي لضمان معيشة" الأسر المتلقية.
ووفقاً للصندوق الدولي للتنمية الزراعية، يُستخدم نحو 75% من هذه التحويلات لتغطية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء، السكن، الرعاية الصحية، وتعليم الأطفال، إضافة إلى مواجهة الصدمات الطارئة.
أما الربع المتبقي فيُوجَّه نحو الادخار أو الاستثمار في أنشطة صغيرة مدرّة للدخل، ما يسهم في خلق فرص عمل محلية وتقليل معدلات الفقر.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن أفراد الشتات الأفريقي يرسلون في المتوسط ما بين 200 و300 دولار كل شهر أو شهرين، وهو ما يمثل قرابة 60% من دخل الأسر المستفيدة.
يأتي هذا القرار في سياق دولي مقلق، بعد تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في 2025، وتراجع المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 7% في 2024.
ووفقاً للأمم المتحدة، تفوق تحويلات المغتربين إلى الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 40%، ما يجعل أي مساس بها ذا أثر اجتماعي واقتصادي مباشر.
وتُعد الولايات المتحدة أحد أكبر مصادر التحويلات إلى أفريقيا، إلى جانب فرنسا، والإمارات، والسعودية، والمملكة المتحدة. وفي ما لا يقل عن ثماني دول أفريقية، تشكل التحويلات القادمة من الولايات المتحدة المصدر الرئيسي لدخل آلاف الأسر.
بحسب نص القانون، تُفرض الضريبة فقط على التحويلات التي تتم عبر وسائل مادية مثل النقد أو الشيكات.
وترى غوبير أن ذلك قد يشجع على التحول نحو القنوات غير الرسمية لتجنب الضريبة، وهو ما يثير قلق المؤسسات المالية والتنموية.
ويحذر بنك التنمية الأفريقي من أن التحويلات لا تدعم التنمية المستدامة إلا إذا مرت عبر قنوات رسمية وآمنة، وهو شرط قد يتعرض للخطر بفعل هذا الإجراء، خصوصاً أنه يُضاف إلى رسوم مرتفعة أصلاً؛ فمتوسط تكلفة التحويلات عالمياً يبلغ 6.49%، ويرتفع إلى 8.78% في أفريقيا جنوب الصحراء، ما يجعلها المنطقة الأغلى في العالم.
وتسجل أنغولا تكلفة قياسية تصل إلى 12.8%، بعيداً عن هدف الأمم المتحدة البالغ 3% بحلول 2030.
ورغم محدودية الضريبة الأمريكية الجديدة ظاهرياً، فإن آثارها المحتملة على أفريقيا كبيرة؛ فهي لا تمس فقط التدفقات المالية، بل تهدد الاستقرار الاجتماعي للأسر الأكثر هشاشة، وتضعف أحد آخر مصادر التمويل الخارجي المستقر للقارة، في وقت يتراجع فيه الدعم الدولي الرسمي.
وبذلك، قد تتحول سياسة مالية داخلية أمريكية إلى عامل إضافي في تعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا.