تُثير برامج المنح والتدريب التي توفرها الصين للأفارقة جدلاً واسعاً حيث يرى مراقبون أنها باتت تمثل بوابة لبكين من أجل تكريس نفوذ طويل الأمد في القارّة السمراء.
ومع إطلاق عام التبادل الشعبي بين الصين وأفريقيا، وعدت بكين مؤخرا بتوسيع منح الدراسة وإطلاق ممرّ تجريبي لتأشيرات الأعمال السريعة لرواد الأعمال في خطوة تكشف مساعٍ من السلطات الصينية لتعزيز موقعها في القارة التي تشهد تنافساً محتدما بين القوى الدولية.
ومنذ توجّهها إلى أفريقيا، راهنت الصين على أدوات مثل الاستثمارات في مجال البنية التحتية والمعادن النادرة، لكنها لجأت في السنوات الأخيرة إلى التعاون في برامج التدريب والمنح الدراسية لتعزيز علاقاتها مع الأفارقة.
وعلق المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، خالد أحمد قجة، بأن "برامج التدريب والمنح الدراسية التي تقدمها الصين أصبحت واحدة من أهم الأدوات التي تمكّنها من ترسيخ حضورها داخل القارة الإفريقية".
وتابع قجة في حديث لـ"إرم نيوز"، أنّه "من خلال آلاف المنح التي تُعلن عنها في قمم مثل فوكاف حيث تعهّدت بتوفير 60 ألف منحة وتدريب، تعمل الصين على بناء جسور مباشرة مع النخب الشابة في القارة، وتعزيز صورتها كشريك موثوق وداعم للتنمية".
وأردف قجة، "كما أن تزايد أعداد الطلاب الأفارقة في الجامعات الصينية، الذين تجاوزوا 81 ألف طالب في السنوات الأخيرة، يخلق ارتباطًا طويل المدى بالصين من خلال الخبرات، والعلاقات، والمعرفة التقنية المكتسبة هناك".
ولفت إلى أنّه "رغم بعض التحديات المتعلقة بمدى انتشار هذا التأثير داخل المجتمعات، يبقى واضحاً أن هذه الاستراتيجية التعليمية مصممة لتكون طويلة الأمد، ومدعومة بخطط تمتد لسنوات قادمة".
ويأتي هذا التوجّه الصيني في وقتٍ تعرف فيه أفريقيا تراجعاً لنفوذ القوى الغربية التي فقدت الكثير من قواعدها العسكرية وعقودها الاستثمارية لاسيما في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي عرفت انقلابات عسكرية في السنوات الماضية.
واعتبر المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، قاسم كايتا، أنّ "الصين تستخدم بالفعل المنح الدراسية وبرامج التدريب كأدوات ناعمة لترسيخ حضورها في أفريقيا، وقد نجحت في ذلك إلى حدّ كبير، فعدد الطلاب الأفارقة في الصين سجّل ارتفاعا غير مسبوق من أقلّ من 2000 طالب في عام 2003 إلى أكثر من 360 ألف طالب 2024".
وأوضح كايتا، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن "الاندفاع الصيني نحو توسيع مظلة المنح الدراسية وبرامج التدريب التقني الموجهة للقارة السمراء يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز التعاون التعليمي التقليدي".
وأشار إلى أن "هذه التحركات تمثل قوة ناعمة تخدم أجندة بكين السياسية والاقتصادية، إذ تهدف الصين من خلال صناعة نخب أفريقية شابة إلى تأمين نفوذ مستدام يضمن لها الأولوية في الوصول إلى الأسواق الواعدة ومناجم الثروات السيادية في دول استراتيجية مثل زامبيا ومالي وبوركينا فاسو".
وأردف أنّ "الصين تسعى إلى كسب الولاء الشعبي في أفريقيا وهي بذلك تريد استنساخ التجربة الروسية، لأنّ موسكو نجحت في حشد تأييد الأفارقة في دول غرب القارّة ما مكنها من نفوذ عسكري وسياسي غير مسبوق".