يفتتح مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة وسط ضغوط غير مسبوقة على العلاقات عبر الأطلسي، والتي كانت لفترة طويلة صمام أمان للأمن الغربي.
يصل القادة الأوروبيون هذا العام إلى بافاريا حاملين سؤالًا محوريًّا: هل ستواصل إدارة دونالد ترامب سياسة "أمريكا أولًا" على حساب النظام العالمي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية، أو ستتبنى واشنطن نبرة أكثر تعاونًا مع حلفائها؟
ويشير تقرير ميونيخ للأمن لعام 2026 إلى دخول العالم حقبة جديدة من ما وصفه بـ"سياسة كرة الهدم"، مع اعتبار ترامب "أبرز رجال الهدم" للنظام الدولي الذي أسهمت الولايات المتحدة في بنائه لِما يقرب من 80 عامًا.
وترى المؤسسات الأوروبية أن العقيدة الأمريكية الحالية، التي تُعطي الأولوية للعمل الأحادي والدبلوماسية القائمة على المصالح المشتركة، أضعفت الثقة في القيادة الأمريكية وشجعت القوى المنافسة، بما في ذلك روسيا والصين، على استغلال الفراغ.
وحذر فولفغانغ إيشينغر، رئيس مؤتمر ميونيخ، من وجود "أزمة ثقة ومصداقية كبيرة" في العلاقات عبر الأطلسي، رغم إشادة الجانب الأمريكي بحجم الوفد المشارك الذي يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو، ويضم أكثر من 50 عضوًا من الكونغرس، بمن فيهم الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز.
رغم محاولة السفيرة الأمريكية لدى حلف الناتو ماثيو ويتاكر طمأنة الحلفاء بأن ترامب "لا يسعى لتفكيك الناتو"، فإن الانتقادات المتكررة من الرئيس الأمريكي والتشكيك في ضمانة الدفاع المشترك أثارت مخاوف واسعة.
فقد انتقد ترامب أعضاء الحلف على الإنفاق الدفاعي وحجب المساعدات لأوكرانيا؛ ما أعاد تسليط الضوء على احتمال تخفيف التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا.
ويجادل المؤيدون بأن الرئيس الأمريكي يضغط فقط على الحلفاء لتقاسم الأعباء التي طال انتظارها، بينما يرى المنتقدون أن خطاباته تُضعف الردع في لحظة تصاعد التوتر مع روسيا؛ ما يدفع أوروبا لإعادة تقييم افتراضاتها التقليدية حول الأمن والدفاع.
حث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أوروبا على التحرك كقوة عالمية، محذرًا من التهديدات القادمة من الصين وروسيا، ومن تزايد الشكوك حول مصداقية الولايات المتحدة.
ودعا ماكرون إلى تقاسم أكبر للديون على مستوى الاتحاد الأوروبي لتغطية نفقات الدفاع والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن أزمة غرينلاند لم تُحل بعد وأن أوروبا يجب أن تكون مستعدة لأي سيناريو.
في الوقت نفسه، يثير موقف ترامب المتغير بشأن الحرب الروسية الأوكرانية القلق بين الحلفاء، إذ يتراوح بين الشك والرهان الدبلوماسي، حيث يدّعي الرئيس أنه يقود جهودًا لحل الأزمة وأن الجانبين "قريبان إلى حد معقول" من اتفاق سلام، في حين يبقى المستقبل غامضًا ومليئًا بالشكوك حول التزامات واشنطن تجاه أوكرانيا وأمن أوروبا.
مع تجمع المندوبين في ميونيخ، لم يعد السؤال يقتصر على ضغط العلاقات عبر الأطلسي، بل أصبح حول مدى قدرة النظام الدولي على الصمود في مواجهة سياسات الولايات المتحدة الحالية.
كما أدخلت ولاية ترامب الثانية حالة من عدم الاستقرار إلى المؤسسات القائمة على التنبؤ والمواثيق؛ ما دفع الحلفاء إلى الاستعداد لعالم تُصبح فيه القيادة الأمريكية مشروطة ومبنية على المصالح المتبادلة.
ويسلط المؤتمر الحالي الضوء على حقيقة صارخة: لم يعد النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية مضمونًا، وأن الخيارات القادمة من واشنطن، إلى جانب استعداد أوروبا وحلف الناتو وأوكرانيا للتحرك، ستحدد ما إذا كان هذا النظام سينجو أو يتفكك بشكل أسرع.