فرضت أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا، نموذجا عسكريا جديدا قائما على التسليح الرخيص واسع النطاق، ما فتح الباب أمام إعادة تعريف مفهوم التفوق العسكري في القرن الحادي والعشرين.
واعتمدت كييف على إنتاج ضخم للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، حيث تنتج نحو 4 ملايين طائرة سنويًا، مع قدرة سريعة على مضاعفة هذا الرقم، مقابل إنتاج أمريكي لا يتجاوز عشرات الآلاف.
وهذا الفارق العددي الهائل، إلى جانب أسعار تبدأ من 400 دولار لطائرات "FPV" وتصل إلى بضعة آلاف فقط للطائرات الاعتراضية، منح أوكرانيا قدرة قتالية غير مسبوقة مقارنة بالكلفة.
وخلال السنوات الماضية، انتقلت أنظمة كاملة من الفكرة إلى الاستخدام الميداني خلال أشهر، بل أحيانًا خلال أسابيع، بفضل منصات مثل "Brave1" التي تربط الجيش مباشرة بالشركات الناشئة، ونجحت في كسر البيروقراطية التقليدية التي تعاني منها الصناعات الدفاعية الغربية.
وتحوّلت الطائرات الرخيصة إلى سلاح استنزاف فعّال، إذ تُسقط أهدافًا روسية تتراوح قيمتها بين 10 آلاف و300 ألف دولار، ما يفرض عبئًا ماليًا متصاعدًا على موسكو.
وتشير التقديرات إلى أن قيمة القدرات الإنتاجية الأوكرانية قد تتجاوز 60 مليار دولار بحلول عام 2026.
وبدأت هذه الثورة تهدد احتكار القوى الكبرى للحرب المتقدمة، خاصة أن أسلحة غربية متطورة أخفقت أمام التشويش الإلكتروني، بينما اضطرت دول في حلف الناتو لاستخدام مقاتلات F-35 باهظة الثمن لإسقاط مسيّرات رخيصة، في مفارقة تكشف اختلال ميزان الكلفة والفعالية.
ومع توسع التعاون الأوروبي، وصفقات التصدير إلى الولايات المتحدة، وتطوير أنظمة تعمل بالذكاء الاصطناعي دون GPS، تبدو أوكرانيا وقد أرست نموذج حرب جديد، يؤكد أن التفوق لم يعد للأغلى، بل للأذكى والأسرع إنتاجًا.
ورأى مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث والدراسات في روسيا د. آصف ملحم، أن الفلسفة التكنولوجية السوفيتية، ثم الروسية لاحقًا، تأسست منذ عقود على ما يمكن وصفه بـ"تكنولوجيا الفقراء"، وهي مقاربة لا تقتصر على مجال التسليح، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الصناعية.
وفي تصريح خاص لـ"إرم نيوز"، لفت ملحم إلى أن هذه الفلسفة تقوم على مبدأ واضح يتمثل في الوصول إلى الهدف المطلوب بأقصر الطرق، وبأبسط الوسائل، وبأقل كلفة ممكنة، سواء في الأنظمة الإلكترونية أو الميكانيكية أو الهندسية.
وكشف أن هذه المقاربة تفسر محدودية انتشار التكنولوجيا الروسية عالميًا رغم فعاليتها، إذ تفتقر إلى الجوانب الشكلية الجذابة، بينما يتركز جوهرها على تحقيق الغاية العملية بأدنى مستويات الإنفاق.
وقال ملحم، إن هذا التوجه انعكس بوضوح على طبيعة الأسلحة الروسية التي تتسم بسهولة الاستخدام والتركيب والتعامل، وهو ما يمنحها قدرًا عاليًا من النجاعة في ظروف القتال المختلفة.
وبيّن أن هذه السهولة ناتجة عن تقليص التعقيد التقني والحد من الاعتماد على الأنظمة فائقة التعقيد، مقارنة بالتكنولوجيا الغربية التي تعتمد على حسابات هندسية وميكانيكية معقدة، لا تضيف بالضرورة تحسينًا جوهريًا على الأداء الفعلي للسلاح.
وأكد أن القوانين الفيزيائية الأساسية ثابتة لا تتغير، مستشهدًا بمسار القذائف الذي يخضع لقوانين معروفة، مشيرًا إلى أن الفارق الحقيقي يكمن في مستوى الأتمتة ومدى تقليص دور العنصر البشري.
وشدد ملحم، على أن التكنولوجيا الروسية لم تتجه إلى إلغاء العامل الإنساني بالكامل، معتبرًا أن هذا التوازن يجعلها أقل كلفة وأكثر فاعلية في آن واحد، لأن الإنسان يظل عنصرًا لا يمكن تعويضه.
وأضاف أن هذه المقاربة أثبتت فعاليتها في حروب المدن وحروب العصابات والنزاعات غير التقليدية، كما في أوكرانيا، رغم ما يترتب عليها من ارتفاع محتمل في الخسائر البشرية مقارنة بالحروب التي تعتمد فيها الدول الغربية على تقنيات تقلل الاحتكاك المباشر.
وفي السياق ذاته، أشار إلى تجارب الولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث نجحت مجموعات مسلحة محدودة الإمكانات في مواجهة تفوق تكنولوجي هائل، موضحًا أن السبب الجوهري يعود إلى استحالة استبعاد العنصر الإنساني من معادلة الحرب.
واعتبر ملحم، أن هذا الفارق يميز بوضوح بين الفلسفتين التكنولوجيتين السوفيتية والغربية، لافتًا إلى أن أوكرانيا ما زالت متأثرة بهذه الأيديولوجيا بحكم إرثها الصناعي السوفيتي.
وضرب ملحم مثالًا بالطائرات المسيّرة، موضحًا أنها لا تحتاج سوى إلى محرك بسيط ووسيلة دفع، ومع رخص كلفتها فإن خسارتها لا تمثل عبئًا حقيقيًا، إذ يكفي نجاح واحدة فقط من بين عدة مسيّرات لتحقيق إصابة مؤثرة.
من جانبه، اعتبر خبير الشؤون الأمنية والدفاعية البريطاني جيمس بوسبوتينيس، أن حجم التحدي الذي واجهته أوكرانيا في التصدي للهجوم الروسي دفعها إلى تبني مستوى غير مسبوق من الابتكار في تطوير وإنتاج الأنظمة العسكرية.
وأضاف بوسبوتينيس في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن هذا الابتكار تجلّى بشكل خاص في مجال الأنظمة غير المأهولة، بما يشمل طائرات الدرون من منظور الشخص الأول، والذخائر الجوالة، والزوارق السطحية غير المأهولة، إلى جانب صواريخ كروز منخفضة الكلفة.
وقال إن الهدف من هذه الأنظمة يتمثل في توفير أسلحة قابلة للإنتاج الكمي، تحقق الكثافة العددية المطلوبة في ساحة المعركة، وتعكس في الوقت ذاته متطلبات الحرب الصناعية الحديثة والقيود التي تواجهها أوكرانيا، خاصة في مجال الضربات الدقيقة بعيدة المدى.
وأضاف بوسبوتينيس، أن محدودية أعداد الأنظمة الغربية المتقدمة، إلى جانب القيود المفروضة على استخدامها، دفعت كييف إلى البحث عن بدائل منخفضة التكلفة ذات قيمة تكميلية.
وأشار إلى أن هذه البدائل، رغم أهميتها، تعاني من قيود واضحة في القدرات، موضحًا الفارق بين صواريخ منخفضة الكلفة وصواريخ غربية متقدمة من حيث المدى والرؤوس الحربية.
وشدد على أن الحرب في أوكرانيا تختلف جذريًا عن أي مواجهة محتملة بين حلف الناتو وروسيا، في ظل التفوق التكنولوجي الغربي وتوافر منظومات الضربات الدقيقة بعيدة المدى.
وأوضح بوسبوتينيس، أن الكلفة المرتفعة للأسلحة الغربية المتقدمة تحد من إمكانية إنتاجها بأعداد كبيرة، وهو ما أعاد إحياء الاهتمام بأسلحة منخفضة الكلفة توفر الكثافة العددية المطلوبة.
ولفت إلى أن التجربة الأوكرانية باتت محل اهتمام دول تفتقر إلى الموارد الاقتصادية الكبرى، كما أن هذا التوجه يسهم في انتشار قدرات عسكرية كانت حكرًا على القوى الكبرى، ويعيد رسم خريطة المنافسة في سوق السلاح العالمي.