logo
العالم

"لوموند": خلافات فرنسية ألمانية حول مقترحات ماكرون الأوروبية

إيمانويل ماكرون وفريدريتش ميرتسالمصدر: (أ ف ب)- أرشيفية

تتصاعد التباينات بين باريس وبرلين بشأن ملفات أوروبية حساسة، في مقدمتها الاقتراض الأوروبي المشترك، ومبدأ "الأفضلية الأوروبية" الذي يدافع عنه الرئيس إيمانويل ماكرون، فيما تبدي حكومة المستشار فريدريش ميرتس تحفظات واضحة.

وتمتد الخلافات إلى اتفاق  تكتل "ميركوسور" وآلية توظيف الأصول الروسية المجمدة، في مؤشر إلى مرحلة أكثر تعقيداً في إدارة المحور الفرنسي–الألماني لسياسات الاتحاد الأوروبي، وفق ما نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية عن مراسلتها في برلين. 

جدل حول الديون والإصلاحات

بدوره، أعاد ماكرون طرح فكرة اللجوء إلى اقتراض أوروبي مشترك لتمويل الاستثمارات الإستراتيجية، خاصة في مجالي الصناعة والدفاع، معتبراً أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أدوات مالية أكثر جرأة لمواكبة التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية.

أخبار ذات علاقة

إيمانويل ماكرون

ماكرون يدعو الاتحاد الأوروبي إلى طرح خطة مشتركة لتحدي الدولار

كما شدد على ضرورة تعزيز "الأفضلية الأوروبية" في العقود والمشتريات العامة لحماية القاعدة الصناعية في مواجهة المنافسة العالمية.

وفي المقابل، ترى برلين أن المشكلة الأساسية في أوروبا لا تكمن في نقص التمويل، بل في ضعف الإنتاجية، والحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة، واستكمال السوق الموحدة.

وتخشى الحكومة الألمانية أن يؤدي توسيع الاقتراض المشترك إلى تقليص الهامش المالي للاتحاد في السنوات المقبلة، لا سيما مع اقتراب بدء سداد التزامات برنامج “الجيل القادم للاتحاد الأوروبي” الذي أُطلق خلال جائحة كورونا.

من جانبها، تؤكد أوساط ألمانية أن أي نقاش حول تمويل إضافي يجب أن يترافق مع مراجعة أولويات الإنفاق داخل الميزانية الأوروبية، التي لا يزال جزء كبير منها موجهاً للزراعة وسياسات التماسك، معتبرة أن الإصلاح المؤسسي شرط أساسي قبل البحث عن موارد جديدة.

انقسام بشأن التجارة وحماية الصناعة

ولا يقتصر الخلاف على أدوات التمويل، بل يمتد إلى فلسفة الانفتاح التجاري، فبينما يحذّر ماكرون من أن أوروبا أصبحت "السوق الأكثر انفتاحاً في العالم" دون ضمانات كافية لحماية صناعاتها، تدافع ألمانيا عن استمرار إبرام اتفاقيات تجارة حرة، معتبرة أنها ضرورية لدعم اقتصادها التصديري.

ويبرز اتفاق تكتل "ميركوسور" كنقطة احتكاك واضحة، إذ تنظر إليه برلين كفرصة لتعزيز النمو وتنويع الأسواق، في حين تواجهه باريس بتحفظات قوية لأسباب اقتصادية وسياسية داخلية.

وأوضحت  الصحيفة أن حدة هذا التباين ظهرت  خلال القمة الأوروبية الأخيرة، حيث حاولت فرنسا عرقلة الاتفاق، ما كشف عمق الهوة بين العاصمتين.

ومع ذلك، تقر ألمانيا بالحاجة إلى أدوات دفاعية محددة في القطاعات التكنولوجية الحساسة، لكنها تشدد على أن تكون هذه الإجراءات استثنائية ومؤقتة، لا إطاراً دائماً لسياسة حمائية واسعة.

الأصول الروسية والدفاع الأوروبي

وذكرت الصحيفة أن ملف الأصول الروسية المجمدة أضاف بعداً جديداً للخلاف؛ فبينما تميل برلين إلى استخدام هذه الأصول كورقة ضغط مالية وسياسية في مواجهة موسكو ودعم أوكرانيا، يفضل ماكرون الجمع بين الدعم المالي والمسار الدبلوماسي، ما يعكس اختلافاً في المقاربة الإستراتيجية.

كما يواجه مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة (FCAS)، الذي يمثل أحد أعمدة التعاون الدفاعي بين البلدين، حالة من الجمود منذ أشهر.

ولوّح ماكرون بإمكانية إعادة النظر في مشاريع دفاعية مشتركة أخرى إذا تعثر البرنامج، في حين تؤكد أوساط ألمانية أن برلين قادرة على تطوير قدراتها الدفاعية بشكل مستقل إذا اقتضت الضرورة. 

أخبار ذات علاقة

نموذج مصغر للطائرات الحربية المتشركة

ماكرون: برنامج الطائرات الحربية مع ألمانيا وإسبانيا لم يمُت

رهانات سياسية واقتصادية أوسع

تأتي هذه التباينات في سياق أوروبي حساس، مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة في عدة دول خلال السنوات المقبلة، وتصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتشددة.

وتواجه الحكومتان ضغوطاً داخلية متزايدة، سواء فيما يتعلق بالانضباط المالي في ألمانيا أو التوازنات البرلمانية في فرنسا.

وبينما يواصل ماكرون الترويج لفكرة "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، يؤكد مقربون من ميرتس أن ألمانيا لا ترى بديلاً عن الحفاظ على شراكة وثيقة مع الولايات المتحدة، لا سيما في المجالين الأمني والاقتصادي.

وخلُصت الصحيفة الفرنسية إلى أن الخلافات الراهنة تعكس  تحولاً في طبيعة العلاقة بين باريس وبرلين من تنسيق شبه تلقائي إلى تفاوض أكثر صراحة وعلنية.

وأكدت أنه رغم استمرار قنوات التواصل السياسي بين الجانبين، فإن غياب رؤية مشتركة واضحة قبل الاجتماعات الأوروبية المرتقبة يسلط الضوء على تحديات حقيقية أمام تماسك الاتحاد في مرحلة تتسم باضطرابات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة. 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC