أعربت مصادر دبلوماسية أوروبية عن قلقها إزاء النقاش الأوروبي المحتدم بشأن ملف غرينلاند، بعد أن تجاوز حدود التنسيق الدفاعي، ليدخل في رسم خيارات ردعية قابلة للتنفيذ خلال أسابيع.
وتشهد العلاقات الأوروبية الأمريكية مرحلة توتر حاد على خلفية تداعيات ملف غرينلاند، مع انتقال النقاش داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى مستوى الإجراءات العملية.
وتعود خلفية تصاعد حدة التوتر إلى الساعات التي أعقبت إعلان الإدارة الأمريكية نيتها المضي في فرض رسوم جمركية على واردات أوروبية محددة، في خطوة رُبطت صراحة بالموقف الأوروبي من ملف غرينلاند.
ودفع ذلك الإعلان رئاسة الاتحاد الأوروبي إلى الدعوة لاجتماع عاجل في بروكسل، ضم ممثلي الدول الأعضاء على مستوى السفراء وفرق التجارة، لمناقشة الرد الممكن وتقييم كلفة عدم الرد.
ووضع الاجتماع الأوروبي في بروكسل، مؤخرًا، أسس تحرك جماعي يستند إلى أدوات قانونية وتجارية جاهزة، ويمنح الدول الأعضاء هامش فعل أوسع في مواجهة تهديدات جمركية أمريكية مرتبطة بالموقف الأوروبي من الإقليم القطبي.
وفي صلب هذا التحرك يبرز الدفع الفرنسي باتجاه تفعيل أداة مكافحة الإكراه، كإطار قانوني يتيح الرد على ضغوط اقتصادية تمس المصالح الأوروبية.
ووجدت المقاربة الفرنسية، صدى لدى عدد متزايد من العواصم الأوروبية، مع إدراك متقدم بأن الرسائل الأمريكية الأخيرة تفتح مسارًا جديدًا في إدارة الخلافات داخل المعسكر الغربي.
من جهته، قال مصدر دبلوماسي فرنسي مطلع، إن باريس تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها اختبارًا لمصداقية الاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية ذات سيادة.
وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن التهديدات الجمركية الأمريكية جرى التعامل معها داخل المؤسسات الأوروبية باعتبارها سابقة تستدعي ردًا مؤسسيًا، ويشير إلى أن أداة مكافحة الإكراه صُممت تحديدًا لمواجهة هذا النوع من الضغوط.
وتتيح الأداة للاتحاد الأوروبي فرض قيود على أنشطة شركات أمريكية داخل السوق الأوروبية، واتخاذ إجراءات تنظيمية ومالية تستهدف قطاعات محددة، ضمن مسار قانوني منضبط يسمح بالتصعيد المتدرج مع إبقاء القرار السياسي بيد مؤسسات الاتحاد.
ولفت ذات المصدر إلى توافق أوروبي آخذ في التشكل حول ضرورة إرسال إشارة واضحة إلى واشنطن مفادها بأن استخدام الرسوم لأغراض سياسية يحمل كلفة مباشرة.
ومن شأن ذلك أن يكون مرتبطًا بالحفاظ على استقرار القواعد الناظمة للتجارة الدولية، مع التأكيد على أن الهدف يتمثل في ضبط المسار ومنع انتقال الخلاف إلى مستويات أوسع.
في هذا السياق، برزت خلال الاجتماع مداولات تفصيلية حول أداة مكافحة الإكراه، التي وُضعت على جدول الأعمال كخيار قابل للتفعيل السريع.
وشمل النقاش أيضًا لوائح أولية بالقطاعات الأمريكية التي يمكن أن تطالها إجراءات أوروبية مقابلة، بينها صناعات تكنولوجية وزراعية، مع تركيز واضح على تقليل الارتدادات على السوق الأوروبية، وهذا التطور يعكس مستوى غير مسبوق من الجدية داخل مؤسسات الاتحاد.
وبحسب المصدر الأوروبي، يستند الطرح الفرنسي، إلى قراءة ترى أن تأجيل الرد يمنح الطرف الآخر مساحة أوسع لتكريس منطق الضغط، لذلك جرى العمل على إعداد حزمة إجراءات متدرجة تشمل رسومًا انتقامية وإجراءات تنظيمية تطال قطاعات محددة، مع ترك هامش سياسي يسمح بعودة الحوار في حال تبدل الموقف الأمريكي.
وأشار إلى أن هذا المسار حظي بدعم من دول شمال أوروبا وأطراف مركزية داخل الاتحاد، مع استمرار نقاشات تفصيلية حول التوقيت والنطاق.
بالتوازي مع ذلك، تعمل العواصم الأوروبية على إعداد لوائح أولية لرسوم جمركية انتقامية محتملة، تطال صادرات أمريكية تُقدَّر قيمتها بنحو 93 مليار يورو، وهذا الرقم طُرح في النقاشات الجارية بوصفه سقفًا عمليًا للرد، مع توزيع الرسوم على سلع وقطاعات مختارة بعناية لتفادي الارتدادات الداخلية.
وتشمل الخيارات المطروحة تقييد وصول شركات أمريكية إلى بعض قطاعات السوق الأوروبية، وإعادة النظر في امتيازات تنظيمية مُنحت سابقًا لشركات تنشط في مجالات التكنولوجيا والطاقة والزراعة.
ويجري بحث ذلك المسار ضمن تصور يقوم على الضغط الاقتصادي المنظم، مع مراعاة توازن المصالح داخل الاتحاد.
في المقابل، يعكس الموقف الأمريكي قلقًا واضحًا من التحركات الأوروبية.
وقال مصدر دبلوماسي في واشنطن، إن النقاش داخل الاتحاد الأوروبي اتخذ طابعًا جديًا، ويصف التلويح بأداة مكافحة الإكراه بأنه تطور غير معتاد في العلاقات مع الشركاء الأوروبيين.
وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن الإدارة الأمريكية تتابع هذه التحركات عن كثب، مع تقييم آثارها المحتملة على الاقتصاد الأمريكي وعلى سلاسل الإمداد العابرة للأطلسي.
ويشدد المصدر على أن واشنطن ترى في الرسوم المقترحة وسيلة تفاوضية ضمن سياق أوسع يتعلق بالمصالح الاستراتيجية في القطب الشمالي، ويؤكد وجود قنوات تواصل مفتوحة مع العواصم الأوروبية لاحتواء التصعيد.
وتحدث المصدر الأمريكي أيضًا عن إدراك داخل الإدارة لحساسية اللحظة، ويشير إلى أن أي تصعيد متبادل يحمل مخاطر مباشرة على الاستثمارات والتجارة الثنائية.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكًا أساسيًا في ملفات أمنية واقتصادية، وأن استمرار التوتر الجمركي قد يؤثر على هذا الإطار.
وذكر المصدر أن واشنطن تتوقع من بروكسل أخذ المصالح الأمريكية في الاعتبار، خصوصًا في ما يتعلق بالوضع الجيوسياسي في غرينلاند والقطب الشمالي.
ويرسم المشهد الراهن مسارًا معقدًا تتداخل فيه الحسابات التجارية مع الاعتبارات السياسية. إذ إن الأسابيع أو الأيام المقبلة مرشحة لحسم اتجاه هذا المسار، بين تثبيت قواعد اشتباك اقتصادية جديدة أو فتح نافذة تفاوض تعيد ضبط العلاقة على أسس أكثر وضوحًا.
وفي الحالتين، بات واضحًا أن أزمة غرينلاند أطلقت دينامية ضغط متبادل تضع العلاقات الأوروبية الأمريكية أمام مرحلة اختبار جدي، عنوانها الاقتصاد وأدواته.
من جهته، رأى الكاتب والباحث الأمريكي المتخصص في العلاقات الدولية، ستيفن وولت، أن ما تشهده العلاقات عبر الأطلسي يعكس انتقال الخلاف من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى إدارة النفوذ الاقتصادي.
ورجح لـ"إرم نيوز" أنه لم تعد الرسوم الجمركية مجرد أداة تفاوض ظرفية، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة ضغط تُستخدم لإعادة ترتيب سلوك الحلفاء قبل الخصوم، مبينًا أن التحرك الأوروبي الأخير يكشف حدود القدرة الأمريكية على فرض الإيقاع منفردة.
الاتحاد الأوروبي، من وجهة نظره، يتعامل مع الأزمة باعتبارها مسألة تتعلق بصدقية النظام التجاري الدولي أكثر من كونها ردًا مباشرًا على تهديد بعينه، وهو ما يفسر جدية النقاش حول أدوات قانونية مثل أداة مكافحة الإكراه، التي يرى أنها تشكّل رسالة مفادها بأن الأسواق الغربية لم تعد مجالًا مفتوحًا للاستخدام السياسي غير المقيد.
وفي قراءته للتبعات المحتملة، حذّر وولت من مسار استنزاف بطيء قد يطال قطاعات صناعية ومالية حساسة على جانبي الأطلسي. مشيرًا إلى أن هذا النوع من النزاعات لا ينفجر دفعة واحدة، بل يتراكم عبر إجراءات تقنية وتنظيمية تُحدث تشوهات في سلاسل الإمداد وتؤثر في ثقة المستثمرين.
واعتبر أن الإدارة الأمريكية قد تواجه ضغطًا داخليًا متزايدًا من قطاعات اقتصادية متضررة، ما قد يدفعها إلى إعادة ضبط لهجة المواجهة، ليس بالضرورة إلى تراجع كامل، بل إلى صيغة أكثر حذرًا.
بدوره، رأى المحلل الفرنسي المتخصص في شؤون الجغرافيا السياسية، دومينيك مويزي، أن أزمة غرينلاند فتحت نقاشًا أعمق داخل أوروبا حول معنى السيادة الاقتصادية وحدود الشراكة مع الولايات المتحدة في مرحلة تتسم بتسييس متزايد للتجارة.
وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن الدفع الفرنسي نحو استخدام أدوات ردعية لا يعكس نزعة تصعيدية بقدر ما يعكس قراءة ترى أن غياب الرد المنظم يضعف قدرة الاتحاد على حماية مصالحه مستقبلًا.
وركّز المحلل مويزي على أن الاتحاد الأوروبي يمتلك ثقلًا اقتصاديًا كافيًا لتأطير النزاع ضمن قواعد يمكن التحكم بها، شرط الانتقال من ردود الفعل إلى بناء سياسة اقتصادية خارجية أكثر تماسكًا.
واعتبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الرسوم نفسها، بل في سابقة قبولها كوسيلة ضغط سياسي داخل الفضاء الغربي. هذا القبول، بحسب مويزي، سيؤدي إلى تآكل تدريجي في مفهوم الشراكة، ويدفع الدول الأوروبية إلى البحث عن أدوات حماية ذاتية خارج الإطار التقليدي للعلاقات عبر الأطلسي.