عاشت العاصمة الفنزويلية كاراكاس، الأربعاء، على وقع حدث سياسي كبير، تمثل في استقالة المدعي العام طارق صعب، بعدما أعلنت الجمعية الوطنية – البرلمان- عن تلقيها مراسلة موقعة من جانب "طارق وليام صعب" تضمنت استقالته من منصبه كمدع عام للجمهورية.
واحتفت العديد من الجرائد الفنزويلية والمواقع الإلكترونية بهذا الخبر، معتبرة أنّ انسحاب "صعب" من الجهاز القضائي يمثل التباشير الأولى لإصلاح الجهاز القضائي في البلاد، والبداية الفعلية للمرحلة الانتقالية.
كما رُبطت استقالته بعلاقته القديمة في شركات النفط الكبرى حين رفض مطالب التعويض التي تقدمت بها، بعد تأميم النفط في عام 2007، إلى جانب ربطها بدعوات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى ضرورة أن تشهد فنزويلا انتخابات نزيهة وديمقراطية؛ مما يستلزم إصلاح القضاء.
ونقلت جريدة "الناسيونال" – وهي صحيفة مستقلة واسعة الانتشار- عن المدعي العام السابق زير مونداراي تأكيده أنّ صعب الذي وصفه بالمسؤول التشافيزي انسحب من النيابة العامة.
وأضاف: "اليوم ينتهي عهد الرعب والابتزاز والجرائم التي اقترفها طارق وليام صعب"، وفق تعبيره.
من جانبه، كشف الصحفي أيخاندرو هيزنانديز، مدير موقع "لا غران أليا" La Gran Aldea، الفنزويلي، أنّ البديل سيكون "لاري ديفو"، وهو شخص مقرب جدّا من الأخوين رودريغيز منذ سنوات".
وتُحيل عبارة "الأخوين رودريغيز" وفق المصطلح الإعلامي الفنزويلي، إلى الرئيسة المؤقنة ديلسي رودريغيز، وشقيقها خورخي رودريغز رئيس البرلمان.
وفي تعليقها على الاستقالة، اعتبرت جريدة " الناسيونال"، أن استمرار سيطرة صعب على النيابة العامة خلال العملية الانتقالية القائمة كان يمثل بالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان وقادة المعارضة الديمقراطية استمرارية لهيكلية القمع والملاحقة التي عانى منها آلاف الفنزويليين الذين لا يزال الكثير منهم دون جبر للضرر أو تحقيق للعدالة.
خلال تولي صعب رئاسة النيابة العامة، تم فتح تحقيقات ضدّ المئات من المعارضين والصحفيين والناشطين في قضايا "مفتعلة" مثل قضيتي قائدي المعارضة ماريا كورينا ماتشادو وأدموند غونزاليس، وفق الصحيفة.
ووثقت منظمات حقوقية محلية وإقليمية ودولية، من بينها "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية"، عمليات اعتقال تعسفي وتعذيب واستخدام للنظام الجنائي كأداة للقمع، مع تسجيل ما لا يقل عن 18 حالة وفاة قيد الاحتجاز خلال فترة إدارته.
وتتوافق المصادر الإعلامية والسياسية الفنزويلية على أنّ استقالة صعب تُمثل خطوة مهمة وجريئة في مسار تفكيك المنظومة القضائية "المادورية التشافيزية"، وفي سياق ضرب مفاصل الدولة العميقة التي كانت تتحكم في منظومات الاقتصاد والطاقة والقضاء والحُكم.
وعلى ما يبدو، تريد الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز أخذ مسافة نقدية كبرى من صقور النظام المادوري، والتأكيد للرأي العام المحلي ولدوائر اتخاذ القرار الإقليمي والدولي بأنها نسخة إصلاحية حقيقية من صلب الثورة البوليفارية، وليست مجرد امتداد باهت لنيكولاس مادورو أو للراحل هوغو تشافيز.
يتبوأ استحقاق "تنظيف" الجهاز القضائيّ من "فلول المادوريين"، شرطا أساسيا، لإنجاح المرحلة الانتقالية ككل، والعفو العام خاصّة.
وإن كانت المعارضة الفنزويلية نددت بجملة الاستثناءات الواردة في قانون العفو العامّ وبالعبارات الفضفاضة التي بالإمكان تطويعها لصالح النظام، فإنّ ديلسي رودريغيز أرادت التأكيد أنّها جادّة في تحقيق العفو العامّ وفق المعايير الدولية والتي تنص على الفصل بين العفو العام وبين العدالة الانتقالية من جهة، وعلى استقلالية الجهاز القضائيّ من جهة ثانية.
وفي سياق متصل، يبدو أنّ الاستحقاقات النفطية والطاقية الفنزويلية تمثل سببا وجيها لاستقالة صعب؛ حيث إنّ العديد من الشركات النفطية العملاقة طالبت باستقلالية المنظومة القضائية الفنزويلية كشرط لعملها أو لاستئناف عملها في فنزويلا.
مثلت لحظة تأميم النفط في 2007، ورفض القضاء الفنزويلي مجرد النظر في مطالب التعويض التي تقدمت بها الشركات النفطية العملاقة، "نكسة" تاريخية في حق الشركات تريد تفاديها في حال قررت العودة إلى الميدان النفطي الفنزويليّ.