لم تدخل منظمة "مجاهدي خلق" الحرب الأخيرة على إيران من بوابة الجبهات، لكنها لم تغب عن المشهد. ففي ظل تصاعد الضربات واتساع الضغط على الداخل الإيراني، أعاد التنظيم طرح نفسه كـ"بديل محتمل" ، مستفيداً من لحظة اضطراب قد تعيد رسم توازنات الداخل.
وبينما يبدو حضوره الميداني محدوداً في الظاهر، تشير المعطيات إلى أن تأثيره لا يُقاس فقط بالفعل المباشر، بل بقدرته على استثمار القمع والفراغ السياسي معاً.
قيادة من الخارج.. وخطاب موجه للداخل
تقود مريم رجوي التنظيم من الخارج، عبر "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" ، مع نشاط مكثف في أوروبا، خصوصاً في فرنسا.
وتشير تقارير وكالة رويترز إلى أن رجوي رفعت خلال الحرب منسوب خطاب "إسقاط النظام من الداخل" ، معتبرة أن الضربات العسكرية تفتح نافذة لتفعيل "المقاومة المنظمة" .
وبهذا لا يستهدف خطاب رجوي الخارج فقط، بل يسعى للوصول إلى الداخل الإيراني، عبر تقديم التنظيم كخيار جاهز في لحظة انهيار محتمل.
من معسكرات العراق إلى شبكات المنفى
بعد نزع سلاحها إثر 2003، انتقلت مجاهدي خلق من العراق إلى ألبانيا، حيث يتمركز نحو 3 آلاف عنصر في معسكر "أشرف 3" ، وفق أسوشيتد برس.
لكن هذا التحول لم يُنهِ الطابع العسكري للتنظيم بالكامل، بل أعاد تشكيله. فالتنظيم يحتفظ بهيكل تنظيمي صارم، وعناصر خضعت لتدريب طويل، وخبرة تراكمت خلال عقود من العمل المسلح.
وبحسب دراسات مؤسسة راند، فإن مجاهدي خلق تُعد من أكثر التنظيمات الإيرانية المعارضة انضباطاً وتنظيماً، ما يمنحها قدرة على التحرك السريع في حال توافرت الظروف المناسبة.
حضور غير مباشر.. وقدرة كامنة
رغم عدم وجود أدلة موثوقة على دور عسكري مباشر خلال الحرب، فإن غياب العمليات لا يعني غياب التأثير.
فالتنظيم يعتمد على مزيج من العمل السياسي، والشبكات الداخلية، والنشاط الإعلامي، مع تركيز على استثمار الضربات الخارجية لإضعاف صورة النظام.
وفي هذا السياق، تشير تقارير وكالة رويترز إلى أن الحرب لم تُنتج حتى الآن انتفاضة داخلية منظمة، لكن ذلك لا يلغي احتمال تحوّل الوضع في حال تزايد الضغط أو حدوث اختراق أمني أو سياسي.
إرث مثير للجدل.. وسياق متغير
يحمل التنظيم إرثاً معقداً، من العمليات المسلحة في الثمانينيات، إلى تحالفه مع نظام صدام حسين، وفق ما توثقه تقارير معهد السلام الأمريكي.
وهذا الإرث أثّر طويلاً على صورته داخل إيران، لكنه لم يعد العامل الوحيد المحدد لموقف الشارع.
فمع تصاعد القمع خلال السنوات الأخيرة، تشير تحليلات إلى أن شرائح من الإيرانيين بدأت تنظر إلى المشهد بمنطق مختلف: "لا يوجد ما هو أسوأ من النظام القائم" ، وهو ما قد يفتح المجال أمام إعادة تقييم بعض قوى المعارضة، بما فيها مجاهدي خلق.
حضور خارجي.. ونقطة ارتكاز محتملة
يحافظ التنظيم على حضور سياسي وإعلامي نشط في أوروبا والولايات المتحدة، مستفيداً من شبكات دعم وعلاقات سياسية، ما يمنحه قدرة على التأثير في الخطاب الدولي حول إيران.
هذا الحضور الخارجي، إلى جانب بنيته التنظيمية، يجعله أقرب إلى قوة احتياط سياسية - تنظيمية، قد تتحول إلى لاعب أكثر تأثيراً إذا توفرت بيئة داخلية مواتية.
استثمار لحظة الانهيار
يرى الباحث السياسي مازن بلال أن "مجاهدي خلق تحاول استثمار الحرب بوصفها لحظة انهيار محتمل للنظام، لكنها تفتقر إلى الأداة الأساسية، وهي الحضور داخل المجتمع الإيراني" .
ويضيف أن "التنظيم يملك خطاباً سياسياً مرتفع السقف، لكنه لا يملك حاليا بنية ميدانية قادرة على ترجمة هذا الخطاب إلى فعل" .
ويوضح بلال أن" التنظيم يمتلك خبرة تنظيمية وعسكرية تراكمت عبر عقود، وهذا يمنحه قابلية للتحول إلى لاعب فعلي إذا توافرت لحظة انهيار أو دعم خارجي واضح" .
وعلى الرغم من أن منظمة "مجاهدي خلق" لم يتحول بعد إلى قوة حاسمة داخل إيران، لكنها أيضاً لم تعد مجرد تنظيم هامشي.
وفي ظل حرب تضغط على النظام، وقمع يعيد تشكيل المزاج الشعبي، وبنية تنظيمية تحتفظ بخبرة عسكرية، يبدو التنظيم كـقوة كامنة، قد تظل في الظل، أو تعود فجأة إلى الواجهة إذا تغيرت المعادلة.