مع بداية عام 2026، تتجه الدول الأفريقية المنتجة للنفط نحو إصلاح قوانين الهيدروكربونات بهدف استعادة جاذبية القطاع أمام شركات الطاقة الكبرى، التي تتسم في الوقت الحالي بالانتقائية الشديدة في استثماراتها العالمية.
فالسنغال، والغابون، والكونغو، إلى جانب دول أخرى، تبحث عن توازن بين تعزيز العوائد المالية وضمان استقرار بيئة الاستثمار، في ظل الحاجة إلى استقطاب رأس المال لإحياء مشاريع النفط والغاز القائمة والمحتملة، وفق مجلة "جون أفريك".
وصرح وزير المناجم والبترول والطاقة الإيفواري، مامادو سانغافوا كوليبالي، رئيس منظمة منتجي البترول الأفارقة (APPO)، بأن إحدى أولويات المنظمة في 2026 ستكون تأمين إطار استثماري واضح ومستقر للشركات.
وأضاف: "الشركات الكبرى تتجه إلى حيث توجد الموارد، لكنها تبحث بالدرجة الأولى عن لوائح شفافة وقابلة للتنبؤ، وفرص تحقيق عائد على الاستثمار".
تتضمن الإصلاحات التي أعلنتها دول مثل الكونغو الغاء مكافأة التوقيع أو فصل قوانين النفط عن الغاز لتسهيل دخول المستثمرين، بينما تسعى السنغال إلى إعادة التفاوض على عقودها القائمة لضمان إطار قانوني متين وشفاف.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن أي تغييرات قد تثير عدم اليقين القانوني، خصوصًا إذا صاحبها فرض ضرائب أكثر صرامة أو تعديل في الترتيبات التعاقدية القائمة، ما قد يؤدي إلى تراجع اهتمام الشركات الكبرى.
تؤكد التحليلات أن الجاذبية الاستثمارية تعتمد على أكثر من مجرد النصوص القانونية؛ فوفقًا لسيمون كودينيك، الخبير في الطاقة، يشمل ذلك استقرار الإطار القانوني والمالي، وجودة البنية التحتية، وقدرة الدولة على دعم المشاريع طويلة الأجل.
في السنغال، على سبيل المثال، يمثل حقل الغاز GTA وحقل نفط سانغومار مشروعين رئيسيين يجتذبان الاهتمام العالمي، لكن التفاوض حول العقود كشف مخاطر قانونية محتملة قد تؤثر على النظرة العامة للاستثمار.
ويضيف بابا داودا دين، كبير المحللين الاقتصاديين في معهد إدارة الموارد الطبيعية، أن الفجوة بين القوانين المنصوص عليها وتطبيقها الفعلي قد تقوض جهود جذب المستثمرين، بسبب ضعف القدرات الإدارية أو تضارب الأدوار المؤسسية أو المقاومة السياسية.
العامل الحاسم الآخر هو القدرة على إدارة الالتزامات التعاقدية والمالية؛ فالشركات الكبرى تعطي الأولوية للمرونة في التنفيذ، ولقدرة الدولة على دعم مشاريع معقدة، بينما تميل الشركات الصغيرة إلى شروط دخول أبسط، وضرائب أقل إرهاقًا، وإمكانية بيع الأصول ضمن إطار قانوني آمن.
وتسعى دول وسط أفريقيا، بما في ذلك الغابون والكونغو، إلى تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي من خلال إعادة أموال ترميم المواقع إلى بنك دول وسط أفريقيا (BEAC)، مع احتمال فرض غرامات تصل إلى 150% في حال عدم الامتثال.
ويشير مصدر مطلع إلى أن فشل التوصل لاتفاق مع الشركات الكبرى قد يؤدي إلى توقف العمليات، ما يضر بالاقتصاد المحلي.
ويؤكد الخبراء أن القواعد المستقرة والشفافة تعزز الثقة وتحمي المصلحة العامة، بينما الإصلاحات غير الموفقة قد تؤخر قرارات الاستثمار وتضع الدول في مقايضات مكلفة.
وبحسب غاسين مولي، فإن اقتراح آليات متماسكة لتسهيل تدفق رؤوس الأموال مثل تبسيط إجراءات الصرف يعد عاملاً حاسمًا في نجاح الإصلاحات.
بذلك، يتضح أن جاذبية الاستثمار في النفط الأفريقي لا تعتمد فقط على الموارد الطبيعية أو القوانين الرسمية، بل أيضًا على إدارة المخاطر التنظيمية والمالية والتعاقدية، والاستقرار المؤسسي، والحوكمة.
في ظل هذا الواقع، تواجه الدول المنتجة تحديًا مزدوجًا: ضمان الربحية للمستثمرين الدوليين، وفي الوقت ذاته حماية مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والمالية.