في خطوة عسكرية مفاجئة تحمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية واسعة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القوات الأمريكية نفذت مساء الجمعة غارات جوية استهدفت منشآت عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية، أهم مركز لتصدير النفط في البلاد.

وقال ترامب إن الضربات استهدفت "القوات العسكرية الإيرانية في الجزيرة" بهدف "تدميرها بالكامل"، وأنه أمر الجيش الأمريكي بتجنب ضرب البنية التحتية النفطية لكنّه قد يعيد النظر في هذا القرار إذا استمرت إيران في إغلاق مضيق هرمز.
في هذا السياق، يرى جيم بيانكو، رئيس ومؤسس شركة "بيانكو ريسيرتش" المتخصصة في تحليل الاقتصاد العالمي والأسواق المالية، أن قرار ترامب بضرب الجزيرة يمكن فهمه من زاوية اقتصادية واستراتيجية أكثر منه مجرد خطوة عسكرية.
وفي تحليل نشره على منصة "إكس"، قال بيانكو إن الإدارة الأمريكية والمخططين العسكريين ربما توصلوا إلى قناعة بأن فتح مضيق هرمز بالقوة قد يستغرق أسابيع وربما أشهراً، وهو وقت قد يؤدي خلاله ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد "تخنق الاقتصاد العالمي".
وأوضح أن هذا السيناريو كان غير مقبول بالنسبة لواشنطن، التي تبحث عن إجراء سريع وحاسم يجبر إيران على التراجع سريعاً عن تعطيل الملاحة في المضيق. ومن هنا جاءت الضربة على جزيرة خرج، باعتبارها رسالة ضغط مباشرة دون المساس بالبنية النفطية نفسها.
وأشار بيانكو إلى أن الضربات استهدفت منشآت عسكرية إيرانية في الجزيرة، بينما تم تجنب ضرب منشآت النفط، وهو ما يهدف إلى إبقاء التصعيد تحت سقف معين مع الاحتفاظ بورقة ضغط أكبر في حال استمرار الأزمة.
وأضاف أن توقيت الإعلان عن العملية مساء الجمعة لم يكن عشوائياً، بل ربما جاء بهدف منح الأسواق المالية نحو 48 ساعة لاستيعاب الخبر قبل فتح التداولات العالمية، لتقليل احتمالات حدوث صدمة حادة في أسعار النفط.
ووفق تحليل بيانكو، فإن الرسالة الأمريكية واضحة: إذا لم تسمح إيران بمرور السفن عبر مضيق هرمز، فقد تكون البنية التحتية النفطية نفسها هدفاً للضربات المقبلة.
وشبّه بيانكو الخطوة الأمريكية بمصطلح من كرة القدم الأمريكية، قائلاً إن واشنطن تقوم حالياً بما يشبه "تمريرة هيل ماري" (Hail Mary pass)، أي محاولة أخيرة في الوقت بدل الضائع لتحقيق النصر، في إشارة إلى ضيق هامش الوقت أمام الإدارة الأمريكية قبل أن تتفاقم أزمة الطاقة العالمية.

كما أشار إلى احتمال وجود حسابات سياسية داخلية، إذ إن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 200 دولار للبرميل قد يكون أمراً حتمياً في ظل الأزمة، ولذلك قد ترى بعض الدوائر السياسية في واشنطن أن حدوث الصدمة الآن قد يمنح الإدارة عدة أشهر لمحاولة خفض الأسعار قبل الانتخابات النصفية.

ويرى بيانكو أيضاً أن ترامب لا يستطيع ببساطة إعلان النصر والانسحاب من المواجهة؛ لأن ذلك قد يترك إيران في موقع يسمح لها بالتحكم في ما وصفه بـ"الشريان الاقتصادي للعالم"، أي سوق النفط العالمي؛ ما يمنح طهران القدرة على إبقاء الأسعار مرتفعة لفترة طويلة.
تقع جزيرة خرج في شمال الخليج قرب الساحل الإيراني، وهي قطعة أرضية صغيرة نسبياً تبلغ مساحتها نحو 22 كيلومترا مربعا، لكنها تعد مركزاً رئيساً لصادرات النفط الإيرانية.

وتضم الجزيرة أهم محطة لتصدير النفط الخام في إيران، إذ كانت قبل الحرب مسؤولة عن نحو 90 في المئة من صادرات البلاد النفطية. وتتميز المياه العميقة المحيطة بها بقدرتها على استقبال ناقلات النفط العملاقة، وهو ما لا يتوفر في معظم أجزاء الساحل الإيراني الأخرى في الخليج.
ومنذ ستينيات القرن الماضي تعتمد إيران بشكل كبير على هذه الجزيرة لتصدير النفط عبر البحر، إذ ترتبط منشآتها بشبكة من الأنابيب التي تنقل الخام من أكبر حقول النفط والغاز داخل البلاد.
وتضم الجزيرة عدة منشآت رئيسية للطاقة، بينها مرافق تشغيلية تديرها شركة "فلات إيران" النفطية، إضافة إلى خزانات ضخمة لتخزين النفط قبل تحميله على الناقلات.
وفي السنوات الأخيرة، كانت محطة خرج قادرة على تحميل ما يصل إلى عشر ناقلات نفط عملاقة في الوقت نفسه؛ ما يجعلها واحدة من أكثر محطات التصدير ازدحاماً في المنطقة.
وتعد الصين الوجهة الرئيسة للنفط الإيراني، حيث تستورد جزءاً كبيراً منه عبر ما يعرف بـ"أسطول الظل" من الناقلات التي تلتف على العقوبات الغربية المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.
وتشير التقديرات إلى أن صادرات النفط إلى الصين تمثل نحو 6 في المئة من الاقتصاد الإيراني، وتعادل ما يقارب نصف الإنفاق الحكومي في البلاد، بينما يشكل النفط الإيراني نحو 13 في المئة من واردات الصين النفطية.
وكانت الجزيرة تعرضت سابقاً لهجمات خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما شن الجيش العراقي بقيادة صدام حسين غارات مكثفة على منشآت النفط فيها؛ ما تسبب بأضرار كبيرة قبل أن تتمكن إيران لاحقاً من إعادة بناء المرافق.