الخارجية الإندونيسية تنندد بهجوم ثان على التوالي في جنوب لبنان أسفر عن مقتل جنود حفظ سلام
سيندييا براكوفسكا، 18 عاماً، تحلم بأن تصبح مصففة شعر أو مدرّسة رقص، لكنها وجدت نفسها، صباح أحد أيام مارس، في فصلها الدراسي ببكالوريا ريغا للسياحة والصناعات الإبداعية، أمام بندقية على المكتب.
"أنا خائفة قليلاً"، قالت لمراسل مجلة "بوليتيكو" قبل أن تمسك السلاح للمرة الأولى، ثم أضافت بعد لحظة: "لكنني أعتقد أن هذا منطقي".
112 ساعة في عامين
ما تمرّ به سيندييا ليس استثناءً بل قانوناً، منذ الأول من سبتمبر 2024، بات التدريب العسكري إلزامياً لكل طلاب المرحلة الثانوية في لاتفيا، بما فيهم طلاب الحلاقة والأزياء والضيافة الفندقية.
112 ساعة تدريب موزعة على عامين تشمل التاريخ العسكري، والتوجه بالبوصلة والخريطة، والإسعافات الأولى، وإدارة الأزمات، وأخيراً التدريب على حمل السلاح وإطلاقه. الدولة المجاورة إستونيا تُلزم بـ35 ساعة فحسب، مما يجعل النموذج اللاتفي الأشد في منطقة البلطيق كلها.
المسؤول عن البرنامج العقيد فالتس أبولينش، 53 عاماً، يرفض تعريفه بالمصطلح العسكري المتعارف عليه: "الهدف ليس تدريب جنود، بل تكوين مواطنين أكثر مسؤولية. نريد إزالة الرهاب الذي يُصيب كثيراً من الشباب وأولياء أمورهم حين يلتقون بأي شيء عسكري."
روسيا خلف الحدود مباشرة
بينما تستغرق العواصم الغربية في متابعة حرب إيران، تُبقي لاتفيا عينيها بثبات على موسكو. البلد الصغير يُشارك روسيا حدوداً بطول 176 ميلاً، ويُشارك بيلاروسيا حدوداً بطول 107 أميال، وكلا الجارين ضمن المدار الروسي.
لاتفيا التي احتلها الاتحاد السوفيتي عام 1940 ثم ألمانيا النازية ثم السوفييت مجدداً، تحمل في ذاكرتها الجماعية ما لا يحتاج إلى تفسير، بعد الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير 2022، لم تعد مسألة "هل يمكن أن يحدث هذا لنا؟" من المحظورات في الحديث العام.
المدرّب الرئيسي أندريس سكانيس، 44 عاماً، خدم في أفغانستان إلى جانب العقيد أبولينش، يجوب الفصل بصوته الجهير، يُصحّح وضعية كل طالبة تمسك البندقية، ولا يتردد في الزجر حين يتشتت الانتباه.
"لا يمكن تعليم الدفاع نظرياً، يجب أن تمارسه مراراً وتكراراً"، يقول للمجلة، لكنه يُسارع إلى التمييز: "جيشنا اليوم مختلف تماماً عن الحقبة السوفيتية، لا يوجد ديدوفشتشينا هنا"، في إشارة إلى نظام الترهيب والتنمر المؤسسي الذي شوّه أجيالاً كاملة في الثكنات السوفيتية وما زال يُطارد الجيش الروسي.
مصفّفات الشعر والمسدسات
المشهد في الفصل يجمع بين العادي والمدهش، إحدى الطالبات تكسر ظفراً مصقولاً بعناية وهي تسحب مزلاج البندقية فتجري خارجاً صارخةً، أخرى تعجز عن إدخال خزينة الذخيرة في مكانها وتنفجر بالبكاء.
المدرّبة الأنثى تضم الأولى إلى صدرها وتقودها خارجاً، وبعد خمس دقائق، كلتاهما عادتا، الطالبة الثانية تُجرّب مجدداً، تنجح في إدخال خزينة الذخيرة في مكانها للمرة الأولى، ضربة بكف اليد وانتهى، ابتسامة خاطفة تعبر وجهها.
في السنة الثانية، يُسمح للطلاب باستخدام بنادق بالرصاص المعدني الحقيقي، يتمددون على العشب أمام المدرسة ويُطلقون النار على أهداف ورقية مسنودة بلوح من الإسفنج. في الخلفية تعلو مبانٍ سوفيتية قديمة في أفق ريغا.
اليوم اختياري.. وغداً؟
البرنامج الذي انطلق عام 2018 في 13 مدرسة طوعياً قبل أن يصبح إلزامياً عام 2024، مرّ بنقاش عام كان "هادئاً بشكل مفاجئ"، وفق العقيد أبولينش، الذي يقول إن "الحرب الروسية فعلت ما لم تستطع أي حملة توعوية فعله: قلب موازين الرأي العام في البلطيق".
البرنامج يحمل هدفاً آخر لا يُصرَّح به دائماً، وهو ربط الأقلية الروسية، التي تشكّل نحو ربع السكان وتتمركز في ريغا وشرق البلاد، بهوية الدولة اللاتفية.
يقول أبولينش: "لا نسعى إلى تغيير قناعات راسخة بين ليلة وضحاها، لكن يمكننا تشجيع التفكير النقدي. وهذا قد يعني ببساطة أن يبدأ الشاب بطرح أسئلة جديدة على مائدة العشاء".
المدرّبة مونيكا لازدينا تركت وظيفتها في المال لتنضم إلى الحرس الوطني، هي أم لطفلين، وتقول بهدوء: "أحاول ألا أفكر كثيراً في احتمال الحرب وإن جاءت الحرب فعلاً؟ سأُحاول إخراج أطفالي أولاً. ثم أعود. سأبقى وأقاتل".
أما سكانيس فلديه هو الآخر بنتان؛ الأصغر عمرها أربع سنوات وتُحب بزّته العسكرية، والكبرى تبلغ التاسعة عشرة وهي سلمية تماماً: "تتذكر سفراتي إلى أفغانستان حين كانت طفلة صغيرة. بالنسبة لها، كوني جندياً يعني الغياب عنها".