في خطوة تعكس خشية طهران من تصدع الجبهة الداخلية، منح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان محافظي الأقاليم الحدودية صلاحيات استثنائية ضمن ما يشبه "إعادة توزيع السلطة" لمواجهة أي فوضى محتملة.
وتأتي هذه الإجراءات تزامناً مع الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، حيث يتخوف النظام من تحول الضربات العسكرية إلى "كابوس" يغذي التحركات الانفصالية أو القومية في الأطراف؛ ما دفع طهران لتمكين المسؤولين المحليين من فرض السيطرة المطلقة لضمان بقاء هذه المناطق تحت قبضة المرشد حال اندلاع المواجهة.
ولا يرتبط هذا الإجراء من جانب بزشكيان، بإزالة البيروقراطية الزائدة وتسريع استيراد السلع الأساسية، رغبة في مواجهة "فوضى الحرب" التي قد تنتج عن تعطل سلاسل التوريد الداخلية، حال توجه ضربات عسكرية أمريكية وإسرائيلية للنظام.
وكشف خبراء لـ "إرم نيوز" عن أبعاد استراتيجية لقرار النظام الإيراني بمنح صلاحيات واسعة لمسؤوليه في الأقاليم الحدودية، مؤكدين أن الهدف يتجاوز الإدارة البسيطة إلى "فرض السيطرة الحديدية".
ورأوا أن هذه الخطوة تأتي لقطع الطريق على أي تحركات من القوميات أو الأقليات قد تسعى لاستغلال ضربة عسكرية "متوقعة" ضد إيران للتمرد على حكم المرشد؛ حيث يسعى النظام لتمكين وكلائه المحليين من إجهاض أي تهديد لسيادة طهران على المناطق الطرفية قبل خروجها عن السيطرة.
ومنح بزشكيان مؤخرا، السلطات المحلية الصلاحيات لضمان استمرار عمل الحكومة في حال وقوع أي هجوم، وذلك تحسبا لاندلاع أي صراع مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وأصدر خلال اجتماعه مؤخرا مع محافظي الأقاليم الحدودية، أوامر تهدف إلى إزالة البيروقراطية الزائدة وتسريع استيراد السلع الأساسية، قائلا: "نحن نفوض الصلاحيات للمحافظات حتى يتمكن المحافظون من التواصل مع القضاء والمسؤولين في الهيئات الأخرى واتخاذ القرارات بأنفسهم".
ويؤكد الخبير في مركز ستاندرد للدراسات والأبحاث والمختص بالشأن الإيراني، الدكتور فرهاد دزه يي، أن مثل هذا القرار قائم في الأساس على مخاوف من خروج المحافظات الحدودية البعيدة المليئة بالأقليات والقوميات المتعددة عن السيطرة.
وأضاف دزه يي لـ"إرم نيوز"، أن بزشكيان يظن أن منح المسؤولين الحكوميين والمحافظين المزيد من الصلاحيات، قد يجعلهم يمنعون أية محاولات قد تفصل مناطق بعيدة عن السلطة وفي الوقت ذاته، أن يمتلك التابعون للسلطة المركزية القدرة على توفير جميع الاحتياجات الغذائية، لمنع أي خروج عن حكم المرشد.
وبحسب دزه يي، فإن فكرة توزيع الصلاحيات قائمة في الأساس ولكن توسيعها للقائمين على المحافظات الحدودية، تأتي أيضا لقناعة الرئيس الإيراني أن الضربة قادمة بعد أن فشلت محاولاته في إرجائها، في ظل سيطرة الصوت العالي: الراديكاليين ورجال مكتب المرشد.
وأردف أن توسيع الصلاحيات لن يستطيع التعامل مع الثورة الشعبية الهائلة أو توفير الاحتياجات وتيسير الأمور في المحافظات في حال الضربة الأمريكية، حيث جاء هذا المسعى متأخرا؛ ما يظهر أن بزشكيان يحاول أن يسجل هدفا ولكن في الوقت الضائع؛ لأن الزمن ليس في صالح النظام.
وتابع دزه يي أن تلك الصلاحيات الواسعة، لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأنها جاءت متأخرة وكان يجب تفعيلها والتحرك بهذا الفكر في الأقاليم الحدودية قبل هذه التهديدات وليس مع الحشد الأمريكي والذهاب إلى مرحلة رفع "الراية البيضاء".
واستكمل أن هذه الصلاحيات ليست ذات جدوى ولن تستطيع تحقيق أي هدف تماسك أو قيام المسؤولين الحكوميين في المحافظات بمهامهم لسبب مهم وهو أن "صقور" النظام لن يسمحوا بتمرير هذا القرار الذي لا يرون فيه سوى إبعاد أيديهم ونفوذهم عن السلطة هناك وسيقطعون طريق تفعيلها.
ويؤكد الخبير المختص في شؤون الشرق الأوسط، محمد زنكنة، أنّه بغضّ النظر عن التهديدات التي تتلقاها إيران من إسرائيل أو الولايات المتحدة، بشنّ حرب أو تنفيذ هجوم عسكري، فإنّ طهران تعيش اليوم أزمة سياسية واقتصادية حادة وكبيرة، تدفعها إلى اتخاذ مثل هذه القرارات.
وبين زنكنة في حديث لـ"إرم نيوز"، أن مسألة ما يُعرف بـ"التوائم" أو الاندماج مع الواقع القائم، والخروج من المشكلة عبر حلول قد تكون مؤقتة، وهذا النمط من الحلول كان دائماً من الأساليب التي تعتمدها السلطة منذ عام ثورة الخميني عام 1979، ولكنها لم تحقق النتائج الرابحة للشعب.
وأوضح زنكنة أن جزءاً من أسباب هذه التحركات الإدارية ممزوجة بعوامل سياسية، إلا أن الأزمة العميقة التي تعاني منها إيران أكبر من ذلك ولا يتم التعامل مع الاحتياجات الشعبية بهذا الإجراء فقط.
وذكر زنكنة أن التهديد الأمريكي بشن الحرب، سبب أساسي وقوي في إصدار مثل هذه الصلاحيات ولكنها لا تأتي بحلول بديلة لأهالي تلك المحافظات، في ظل أزمات قائمة بالفعل لا تتعلق بتيسر الأمور اليومية فقط ولكن بتوفير الاحتياجات التي هي غير حاضرة بالشكل المطلوب، بسبب الأوضاع الاقتصادية.
وبحسب زنكنة فإن الجدوى من هذه الإجراءات تكمن في بقاء الدولة قادرة على تسيير شؤونها، وإدارة أوضاع البلاد إلى جانب وجود تنسيق بين الحكومة والمؤسسات المختلفة، للخروج من الأزمة التي تعاني منها البلاد، أو على الأقل التخفيف من حدّتها.
ويرى زنكنة أن مثل هذه الصلاحيات قد تكون سبباً من خلال المسؤولين في تلك الإقاليم، في تسهيل هروب بعض قادة السلطة أو تسهيل خروج بعض السياسيين من المأزق الذي تعيشه إيران حالياً، مشيرا إلى أن هذه المسألة ليست جديدة؛ إذ يشهد تاريخ إيران حالات مشابهة لذلك.
واستطرد زنكنة بالقول، في زمن شاه إيران محمد رضا بهلوي، كانت هناك حالات مشابهة عندما قام بتفويض بعض المسؤولين بصلاحيات مهمة وكبيرة، لتيسير خروجه من البلاد حال تعرضه لأي تهديد، وهو ما قد يجهز حاليا لصالح قيادات النظام الحالي.