تسعى الصين، منذ سنوات، إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي، وباتت تُدخل نفسها تدريجياً في برامج البحث العلمي الروسية، مقابل مبالغ مالية تقدر بمئات الآلاف من الدولارات لكل رحلة.
وتكشف مصادر صينية لمجلة "نيوزويك" عن مشاركة فرق علمية صينية على متن السفن الروسية، ضمن بعثات استكشافية تهدف إلى جمع بيانات طبيعية وجغرافية، بما في ذلك عينات من الصخور والمياه والرواسب، بينما تحتفظ روسيا بحقوقها في التحكم بالساحل القطبي الطويل.
وأكد باحث صيني أن تكلفة كل رحلة تقل عن مليون يوان صيني (حوالي 120 ألف دولار)، مشيراً إلى أن روسيا تحتاج هذه الأموال بسبب الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، فيما تحافظ على موقفها الحذر تجاه السماح ببناء محطات صينية مستقلة على أراضيها القطبية.
لم يكن الوصول الصيني إلى القطب الشمالي عبر السفن الروسية معلنًا من قبل، إلا أن التعاون بين البلدين في المجال العلمي يعود إلى سنوات عدة، بما في ذلك إنشاء فريق بحث مشترك في مورمانسك العام 2019، وتبادل المعلومات العلمية على مستوى رفيع.
وسعت الصين من خلال هذه الشراكات إلى جمع الخرائط والبيانات البحرية والإستراتيجية التي تشكل جزءاً من طموحاتها الأمنية والاقتصادية في المنطقة، في ظل اعتمادها على سياسة "الدمج المدني العسكري"، التي تجعل كل الأبحاث ذات استخدام مزدوج محتمل.
هذه الإستراتيجية أثارت قلق الولايات المتحدة والدول الغربية، التي سبق أن أعربت عن مخاوفها لدى السلطات النرويجية بشأن أنشطة البحث الصيني في أرخبيل سفالبارد.
في الوقت نفسه، عملت الصين على تعميق علاقاتها مع دول الشمال الأوروبي من خلال مركز التعاون القطبي الصيني CNARC، الذي يضم أعضاء من الصين ودول الشمال، ويعقد اجتماعات سنوية في كل من الصين ودول الشمال لمناقشة تغير المناخ، ذوبان الجليد، وصناعة الشحن البحري المتنامية في المنطقة.
يُظهر حضور الصين البارز في مراكز البحث متعددة الأطراف أنها تحرص على تقديم نفسها كشريك مسؤول، مستغلة التوترات المتزايدة مع الولايات المتحدة، خاصة بعد محاولات ترامب للسيطرة على جرينلاند لأسباب أمنية.
ويشير المحللون إلى أن بكين استفادت من هذه السياسة الأمريكية المتقلبة لتقديم نفسها كقوة مستقرة وموثوقة لدول الشمال، مع تعزيز مصالحها الاقتصادية والعلمية في القطب الشمالي.
بالرغم من الضغوط الأمريكية المستمرة للحد من توسع الصين في المنطقة، تؤكد دول الشمال على أهمية التعاون متعدد الأطراف مع بكين.
وقال الباحث النرويجي راسموس جيدسو بيرتلسن: "أعتقد أنه من الأفضل لدول الشمال أن تلتقي بالصين جماعياً بدلاً من التعامل معها بشكل منفرد"، مشيراً إلى محدودية نفوذ هذه الدول مقارنة بالقوة الاقتصادية والتكنولوجية الصينية.
وتعكس الأحداث الأخيرة في ترومسو، حيث عُقد مؤتمر CNARC، أن الصين نجحت في ترسيخ مكانتها كقوة قطبية صاعدة، مع وجود موازن دبلوماسي وعلمي يتيح لها توسيع نفوذها في منطقة إستراتيجية ستزداد أهميتها بسبب ذوبان الجليد وفتح طرق نقل بحرية جديدة.
من خلال الجمع بين الشراكات الروسية، والمراكز البحثية متعددة الأطراف مع دول الشمال، والاستثمار في البحث العلمي الاستراتيجي، نجحت الصين في بناء موطئ قدم قوي في القطب الشمالي، بينما تواجه ضغوط الولايات المتحدة المتزايدة.
وفي هذا السياق، يبدو أن بكين تتبنى إستراتيجية طويلة الأمد لتصبح لاعباً محورياً في منطقة كانت حتى وقت قريب محصورة بين القوى القطبية التقليدية.