logo
العالم

المفاوضات تحت رحمة "تغريدة".. هل تُنهي "نظرية المجنون" حرب إيران؟

شرطة باكستان تؤمن طريق فندق سيريناالمصدر: أ ف ب

قبيل انتهاء الهدنة، مدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، مصرحاً بأنه بناءً على طلب باكستان، لن تُشن أي هجمات ريثما يقدم النظام الإيراني، الذي يعاني من انقسام حاد، "مقترحًا موحدًا" ويتوصل إلى اتفاق بشأن المفاوضات. 

تمديد الهدنة جاء بعد تغريدات متضاربة للرئيس الأمريكي في ظل حرب وصفتها صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية بأن التاريخ العسكري لم يشهد مثلها، حيث يقودها ساكن البيت الأبيض من خلال إعلان الفوز على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصف انتصاراته وهي لا تزال في طور المفاوضات، ويهدّد ويتراجع ويتوعّد ويبشّر، كل ذلك قبل أن يبدأ المفاوضون جلستهم. 

أخبار ذات صلة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران

الهدنة تُمدَّد "حتى إشعار آخر"

ترقبت إسلام آباد مساء الثلاثاء جولة مفاوضات أمريكية إيرانية جديدة، تزامنت مع العد التنازلي لانتهاء وقف إطلاق النار، وسط غموض كثيف خيّم على المشهد حتى اللحظات الأخيرة.

وفي المساء، أعلن ترامب تمديد الهدنة "حتى التوصل إلى اتفاق"، مع الإبقاء على حصار الموانئ الإيرانية. المشكلة: نفس التعقيدات الجوهرية لا تزال قائمة: البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، ومطالب متناقضة كلياً بين الطرفين.

ترامب يُحارب بالتغريدات

منذ بداية هذا الصراع الذي أكمل 7 أسابيع، يُؤطّره ترامب بطريقة لم يُطوَّق بها أي نزاع من قبل. فرقعة الغارات كانت مصحوبة ليلاً ونهاراً بإعلانات النصر والشتائم، وميزانيات الانتصار وتهديدات الدمار الأشد، وبعد توقّف القصف، ترامب لم يوقف تصريحاته وتغريداته.

صباح الثلاثاء، أعلن أنه سيحصل على "اتفاق رائع" مع الإيرانيين. وقال لقناة "سي إن بي سي" أعتقد أنهم لا يملكون خياراً. نحن في موقف تفاوضي ممتاز للغاية لنفعل ما كان ينبغي على رؤساء آخرين فعله خلال السبعة والأربعين عامًا الماضية". 

وذهب أبعد من ذلك مدعيًا أن وقوع تغيير النظام كان ضمنيًا في ضرباته: "أزلنا قادتهم، وهو ما يُعقّد الأمور، لكن القادة الجدد أكثر عقلانية. هذا تغيير نظام، بغض النظر عن الوصف الذي تريد إطلاقه عليه".

حتى إغلاق مضيق هرمز - الذي وافقت إيران على إعادة فتحه يوم الجمعة الماضي ثم أعادت فرض حصارها بعد أن أبقى الأمريكيون حصارهم - قُدِّم كانتصار. "الحصار كان نجاحاً هائلاً. قالوا 'سنفتح المضيق'. أجبت: 'لا، لن نفتح المضيق حتى نُبرم اتفاقاً نهائياً".

"نظرية المجنون" في عصر السوشيال ميديا

يستحضر مؤيدو ترامب ما يسمونه "نظرية المجنون" التي ابتكرها ريتشارد نيكسون إبان مفاوضات نهاية حرب فيتنام - ذلك التناوب بين التهديدات والمطالب القصوى الذي يُهدف منه لإقناع الخصم بأن الرئيس قادر على اتخاذ قرارات لا عقلانية. حتى إن ترامب كان قد أوضح لوزير عدله خلال ولايته الأولى أن سر رسائله على تويتر يكمن في حقنها بـ"جرعة من الجنون".

غير أن "لوفيغارو" تُسجّل التحذير العملي: هذا الفيضان من التصريحات قد يتحول بسرعة إلى عبء ثقيل في إدارة حرب تستلزم برودة أعصاب وانضباطاً، أو في إطار مفاوضات يزن فيها كل طرف كل كلمة بميزان الذهب.

انفصال عن الواقع الميداني

الهوة بين البلاغة الترامبية والواقع المفاوضاتي تتّسع بصورة لافتة، الأسبوع الماضي، أطلق ترامب سلسلة تصريحات بدت فيها تنازلات إيرانية جوهرية: قال إن إيران وافقت على تسليم الأمريكيين اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية. "سنذهب إلى إيران بوتيرة هادئة ونبدأ الحفر بمعدات ثقيلة. سنُعيده إلى الولايات المتحدة". 

كما ادّعى أيضاً موافقة طهران على تعليق غير محدد المدة لأنشطة التخصيب وقال "ليس لبضع سنوات، بل إلى أجل غير مسمى". فما كان من الخارجية الإيرانية إلا أن ردّت على الفور: اليورانيوم لن يُنقل إلى أي مكان، وإيران تملك حقاً غير قابل للانتزاع في التخصيب.

أخبار ذات صلة

الناطق باسم الخارجية الإيرانية اسماعيل بقائي

إيران: اليورانيوم المخصب "خط أحمر" ولا يمكن نقله خارج البلاد

الخوف من سيناريو كارتر

ترصد صحيفة "وول ستريت جورنال" -التي نعتها ترامب بـ"الرهيبة والمقرفة"- قلقاً عميقاً يختفي خلف الضجيج الإعلامي؛ إذ كشفت عن إقصاء الرئيس من غرفة العمليات أثناء مهمة إنقاذ الطيارَين الأمريكيين في إيران مطلع الشهر، خشية أن يعرقل سلوكه المتوتر مجريات العملية. وفي تلك اللحظات الحرجة، استحضر ترامب شبح جيمي كارتر، الذي عصفت أزمة الرهائن الإيرانية عام 1979 بما تبقى من أيام رئاسته.

كما تراجع الرئيس عن عملية إنزال برمائي على الجزيرة الإيرانية خرج، خشية أن تُسفر عن خسائر بشرية. لكنه في الوقت ذاته يُردد الحديث عن منح نفسه ميدالية الشرف - أرفع الميداليات العسكرية الأمريكية - لأنه هبط ليلاً في العراق ذات مرة خلال زيارة للقوات. 

ولعل الأشد غرابة هو ما ترويه "وول ستريت جورنال": في اجتماعات العمل، يُفضّل ترامب في أغلب الأحيان مناقشة مشاريعه المعمارية عوضاً عن متابعة مجريات الحرب.

الأسواق تُراهن على المنطق.. الدبلوماسيون يرتجفون

المفارقة أن هذه الحرب الصاخبة لها وجهان: منطق يطمئن الأسواق، وفوضى تُرعب الدبلوماسيين. ترصد "لوفيغارو" هذا التباين بدقة: "المستثمرون الدوليون يراهنون على المنطق الذي يقتضي أن تجد الولايات المتحدة وإيران سريعاً مخرجاً من حرب لا تريد أي منهما الاستمرار فيها". 

لكن المشكلة أن ما يُريح الأسواق يُقلق غرف المفاوضات. كيف يُمكن التفاوض بشكل جاد مع طرف يُعلن كل صباح شروط استسلام الآخر، قبل أن يجلس المفاوضون أصلاً إلى الطاولة؟ وكيف يتفاوض الإيرانيون مع رئيس يدّعي علناً ما لم يحدث، ويصف ما لم يُتّفق عليه بعد باعتباره أمراً مُبرماً؟!.

السؤال المعلّق فوق إسلام آباد ليس فقط: هل ستنجح المفاوضات؟ بل هل يمكن أن تنجح أصلاً حين يجري تسيير حرب بقوة التغريدات؟.

أخبار ذات صلة

لافتة تحمل صورة مجتبى خامنئي وسط طهران

المرشد الغائب.. كيف أصبح مجتبى سلاح النظام السري للبقاء؟

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC