رغم مرور أكثر من 6 أسابيع على إعلان مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران، خلفًا لوالده الذي اغتيل في غارات أمريكية-إسرائيلية، إلا أنه مع ذلك، لم يره الإيرانيون ولم يسمعوا صوته حتى الآن.
ففي خضم حرب تُوصف بأنها تهدد وجود النظام الذي حكم البلاد قرابة نصف قرن، يبقى مجتبى غائبًا عن المشهد تمامًا.
بدلاً منه، تُقرأ بيانات منسوبة إليه على التلفزيون الرسمي، أو تُنشر على وسائل التواصل، بل إن النظام لجأ إلى فيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهره وهو يلقي رسائل، الأمر الذي غذى تكهنات بأنه مصاب بجروح خطيرة تحول دون ظهوره.
يأتي هذا في تناقض صارخ مع والده الراحل آية الله علي خامنئي، الذي كان الوجه البارز لصنع القرار الإيراني على مدى عقود، حيث لم يكن أسبوع يمر دون خطاب أو قرار أو تدخل مدروس منه.
ومؤخرًا، كشف مصدر لشبكة "سي إن إن"، عن إصابة مجتبى خامنئي في اليوم الأول من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية بكسر في القدم، وكدمة حول العين اليسرى، وجروح سطحية في الوجه، خلال الضربة نفسها التي قتلت والده وقادة عسكريين كبارًا.
ونقلت تقارير أخرى عن مصادر أنه يشارك في اجتماعات كبار المسؤولين عبر المكالمات الصوتية، ويشارك في اتخاذ قرارات استراتيجية تتعلق بالحرب والمفاوضات مع واشنطن.
في خضم ذلك، يتساءل المراقبون الآن: هل تشمل الحلقة الضيقة للقرار مجتبى خامنئي؟ هل يرسم الخطوط الحمراء التي يحتاجها المفاوضون؟ أم أن منصب المرشد أصبح شاغرًا عمليًا.. ومن يمسك بالدفة الحقيقية؟
تنقل شبكة "سي إن إن" في تقرير حديث عن علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، قوله "يبدو أن مجتبى ليس في حالة تسمح له باتخاذ قرارات حرجة أو الإشراف الدقيق على المفاوضات، لكن النظام يستخدمه للحصول على موافقة عامة على القرارات الكبرى".
ويضيف: "النظام يبرز دوره عمدًا لأنه يوفر درعًا واقيًا ضد الانتقادات الداخلية.. مجتبى غائب عن الميدان، لذا فإن نسبة الآراء إليه غطاء جيد للمفاوضين يحميهم من سهام النقد".
منذ اغتيال الخامنئي الأب، يتباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن إيران شهدت "تغيير نظام"، ويصف المفاوضين الإيرانيين الحاليين بأنهم "معقولون جدًا"، قائلاً: "نتعامل مع أناس مختلفين عما تعامل معهم أي أحد من قبل".
لكن النظام السياسي الإيراني الغامض يجعل الإجابات صعبة، فكلما طال غياب مجتبى، ارتفع صوت الأسئلة.
في هذه الأثناء، برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان وأحد الناجين من "التطهير" الأمريكي-الإسرائيلي، كأحد أبرز الوجوه القادرة على التعامل مع الدبلوماسيين والعسكريين على حد سواء، حيث شارك في جولة المفاوضات الأولى في إسلام آباد بجانب وزير الخارجية عباس عراقجي، في محاولة لإظهار الوحدة.
بينما يفاوض هؤلاء على بقاء النظام في الخارج، يواجهون في الداخل قاعدة أكثر تشددًا، ترى في أي تنازل أمام واشنطن استسلامًا، وتطالب بالاستمرار في "إيذاء" العالم ردًّا على الهجمات.
أدى هذا الترتيب غير الرسمي في زمن الحرب إلى رفع بعض المسؤولين إلى مراكز قيادية، مما أربك حتى أشد الموالين للنظام حول من يتخذ القرارات فعلاً. فعندما أعلن وزير الخارجية فتح مضيق هرمز للملاحة التجارية، تعرض لهجوم شديد من مؤيدي النظام.
وكذلك واجه الرئيس مسعود بزشكيان انتقادات لاعتذاره للدول العربية، لكن بعد الهجوم على عراقجي، ألقى قاليباف خطابًا وطنيًا يزعم فيه وجود تماسك ووحدة وطنية بين أطياف الشعب.
يضيف هنا علي فايز: "هذا النظام لم يخرج بعد من الغابة.. إنها معركة بقاء، وفي أي لحظة قد يعود إلى الحرب، لذا فهو غير قادر على الانخراط في صراعات داخلية".
في الوقت الحالي، يبدو أن المرشد الجديد، الرجل الذي اعتاد العمل في الظل، يخدم غرضًا مفيدًا جدًا للسياسيين المخضرمين: "نسبة الآراء إليه، حتى لو لم يوافق عليها، توفر غطاءً جيدًا.. ولا يوجد من يرد عليها من رجل غائب عن الميدان".