logo
العالم

من الصدمة إلى المواجهة.. أوروبا تخلع رداء التبعية وتعلن الاستقلال عن واشنطن

أرشيفية لاجتماع دونالد ترامب بقادة أوروبا في البيت الأبيض المصدر: البيت الأبيض

بعد عقود من الاعتماد على المظلة الأمنية والاقتصادية الأمريكية، تشهد أوروبا تحولاً تاريخياً في علاقتها مع واشنطن.

فتحت وطأة الضغوط والإهانات المتكررة من إدارة دونالد ترامب، بدأت القارة العجوز في التخلص من عقدة التبعية التقليدية، وتبحث عن طريق جديد نحو الاستقلالية والسيادة. 

هذا التحول، الذي كان يبدو مستحيلاً قبل عام، بات اليوم حقيقة سياسية ونفسية تعيد رسم خريطة العلاقات عبر الأطلسي، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.

"لحظة غرينلاند".. نقطة التحول الحاسمة

شكلت أزمة غرينلاند في مطلع 2026 علامة فارقة في الوعي الأوروبي الجماعي.

عندما لوّح ترامب بضم الجزيرة الدنماركية، لم يكتف الأوروبيون بالاستنكار اللفظي، بل اتخذوا إجراءات ملموسة: إرسال قوات رمزية إلى الجزيرة، تجميد الاتفاق التجاري مع واشنطن مؤقتاً، التلويح باستخدام الأداة الأوروبية لمكافحة الإكراه، والتهديد ببيع سندات الخزانة الأمريكية.

أخبار ذات علاقة

جنود أوكرانيون في إحدى جبهات القتال مع روسيا

"خيانة في غرينلاند".. هل تكسر أوروبا قيود التبعية الاستخباراتية لواشنطن؟

هذه الخطوات، وإن كانت محدودة، أجبرت البيت الأبيض على التراجع - على الأقل مؤقتاً، تقول لوموند، والأهم من ذلك، أنها منحت القادة الأوروبيين ثقة جديدة في قدرتهم على مواجهة الضغوط الأمريكية.

فقد أدركوا أن امتلاكهم لأوراق ضغط حقيقية ليس مجرد نظرية، بل واقع يمكن تفعيله.

وقال الباحث سيباستيان مايار للصحيفة إن دخول الأوروبيين في موقف المقاومة خلال هذه الأزمة سيجعل من الصعب عليهم التراجع في المواجهة التالية. إنها عتبة نفسية جماعية تم تجاوزها، ولا عودة عنها بسهولة.

من الذهول إلى الجرأة

قبل عام واحد فقط، في فبراير 2025، كان الأوروبيون يستمعون مذهولين لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ الأمني، وهو يعبر عن ازدراء واشنطن لحلفائها القدامى. 

ثم جاءت المفاوضات الجمركية المهينة التي أجرتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين صيف 2025، والتي اعتبرها كثيرون إذلالاً عالمياً لأوروبا.

 وأخيراً، جاءت وثيقة الأمن القومي الأمريكية في ديسمبر 2025 لتؤكد أن أوروبا باتت في مرمى النيران الأمريكية.

لكن في بداية 2026، تبدلت المعادلة. فبعد عام كامل من "صر الأسنان"، بدأ الأوروبيون في "إظهارها".

 حتى بعض أقطاب اليمين المتطرف ورجال الأعمال الأوروبيين، الذين كانوا تقليدياً أقرب إلى واشنطن، أخذوا مسافة واضحة خلال أزمة غرينلاند. هذا يشير إلى بداية تحرر من القيود التقليدية للعلاقة عبر الأطلسية.

أخبار ذات علاقة

مناهضون للبريكست في لندن

ترامب يدفع ستارمر إلى أحضان أوروبا.. اتفاق أمني تاريخي يُنهي سنوات التوتر

الرأي العام يسبق النخب

التحول لا يقتصر على القادة السياسيين فحسب، بل يمتد إلى الرأي العام الأوروبي. استطلاع حديث لصالح مجلة "لو غران كونتينان"، أظهر أن 73% من الأوروبيين يعتقدون أن الاتحاد يجب ألا يعتمد إلا على نفسه في مجال الدفاع.

والمفاجأة الأكبر أن أغلبية واسعة أعربت عن استعدادها لاستخدام القوة ضد الحليف التاريخي إذا لزم الأمر.

كما كشف استطلاع "يوروباروميتر" في نوفمبر أن 86% من الأوروبيين يطالبون بأن يكون للاتحاد صوت أقوى على الساحة الدولية، وثلثيهم يرغبون في مساهمة أكبر لأوروبا في أمنهم.

هذه الأرقام تعكس تحولاً عميقاً في الوعي الشعبي، حيث لم يعد الحلم الأمريكي جذاباً كما كان، بل تحول في نظر كثيرين إلى كابوس يدفعهم للنظر إلى أوروبا بعيون جديدة.

التهديد الأمريكي كمحفز للوحدة

كما أثار تحرش ترامب بكندا موجة وطنية كندية، فإن الهجوم المستمر على أوروبا بدأ يولد ردة فعل معاكسة.

 الإهانات المتكررة التي تصدر عن دائرة ترامب - والمؤلمة تحديداً لأنها تأتي من "الأبناء الأمريكيين" - تدفع الأوروبيين للتماسك والدفاع عن كرامتهم.

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد عبرت بسخرية عن شكرها لمن يهاجمون أوروبا لأنهم يجعلونها تدرك ضرورة الاعتماد على النفس.

أما رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، فقال إن موقف ترامب يمنح أوروبا فرصة للتقدم، مشيراً إلى اجتماع قادة الـ27 في 12 فبراير لمناقشة التنافسية الأوروبية.

أخبار ذات علاقة

رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي يتوسطهما رئيس الوزراء الهندي بعد مراسم توقيع الاتفاقية

الهند تختار أوروبا.. صفقة دفاعية للهروب من ابتزاز واشنطن وعجز موسكو

فرنسا.. القائد المتردد

تبرز فرنسا، بقيادة إيمانويل ماكرون، كأكثر دولة أوروبية استعداداً فكرياً لقيادة مشروع الاستقلال الأوروبي. المفاهيم الديغولية القديمة مثل "الاستقلالية الاستراتيجية" و"الأفضلية الأوروبية" و"الأبطال الوطنيون" باتت الآن تجد آذاناً صاغية في بروكسل، رغم التحفظات.

لكن فرنسا نفسها لديها تناقضاتها. فتأثيرها في بناء أوروبا مستقلة سيتضاءل إذا رفضت رؤية اتفاقيات التجارة الحرة كتنويع استراتيجي، أو اعتبار بريطانيا مجرد دولة خارج الاتحاد، أو النظر للتوسع كمكسب قوة مستقبلي.

والأهم، إذا لم تخاطب الرأي العام الفرنسي المصنف بين الأكثر تشككاً في الاتحاد.

بينما تقود باريس المقاومة ضد ترامب، عليها أيضاً مواجهة مخاوفها الأوروبية الخاصة.

فالاستقلال الأوروبي الحقيقي يتطلب ثورة في العقلية الفرنسية نفسها، التي تتأرجح بين الطموح القيادي والشكوك العميقة تجاه المشروع الأوروبي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC