بعد سنوات من العلاقات المتوترة إثر بريكست، شهدت العلاقات البريطانية-الأوروبية انعطافة دراماتيكية في 2025-2026.
فما كان يبدو مستحيلاً قبل عامين أصبح واقعاً: بريطانيا تعود للتقارب مع الاتحاد الذي خرجت منه، مدفوعة بتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتصاعد المخاطر الأمنية.
في 19 مايو 2025، وقّعت لندن وبروكسل اتفاقية تاريخية للشراكة الأمنية والدفاعية في أول قمة بريطانية-أوروبية، بحسب الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأوروبية.
علقت كايا كالاس، الممثلة العليا للشؤون الخارجية: "هذه الاتفاقية تُظهر مسؤوليتنا المشتركة عن أمن أوروبا. سنحافظ على سلامة مواطنينا في السنوات القادمة".
ترامب.. تهديد وجودي يوحّد الحلفاء
وفقاً لمجلس أوروبا للعلاقات الخارجية "أصبح واضحاً تماماً للندن وبروكسل أن أمريكا لم تعد مستعدة للعب دورها التقليدي كمزوّد للأمن الأوروبي". عودة ترامب للبيت الأبيض غيّرت كل شيء "في غضون أيام".
فتهديدات ترامب لغرينلاند، وتلميحاته بالانسحاب من دعم أوكرانيا، وتحويل سياسته نحو الصين، دفعت بريطانيا للبحث عن شركاء جدد.
وذكر مركز الأبحاث البريطاني " IfG"، أمضى رئيس الوزراء كير ستارمر معظم العام 2025 "يحاول إبقاء العلاقة الخاصة حية"، لكن "المملكة المتحدة لم تنجُ سالمة".
استطلاع يوجوف (يناير 2026) كشف تحولاً لافتاً: 40% من البريطانيين يعتبرون العلاقة مع الاتحاد الأوروبي أهم لأمن بريطانيا، مقابل 33% فقط يرون أهمية العلاقة الأمريكية. وأظهر أن 44% يفضلون "استقلالية السياسة الأوروبية" على "الحفاظ على التحالف الأطلسي (30%).
الشراكة الأمنية.. من اللاشيء إلى التكامل
الاتفاقية، الموثقة في موقع الحكومة البريطانية، تشمل، اجتماعات نصف سنوية بين كبار المسؤولين لتعميق التعاون الأمني والدفاعي، ومشاركة بريطانية محتملة في مهمات الاتحاد العسكرية والمدنية (حسب كل حالة)، وتنسيق بحري وثيق، خاصة في المياه المتنازع عليها كالبحر الأحمر، وتعاون ضد "الأسطول الظل" من ناقلات النفط المتهربة من العقوبات، إضافة إلى حماية مشتركة للبنية التحتية تحت البحر
الأهم، تدريب مشترك لأكثر من 120 ألف جندي أوكراني عبر عملية INTERFLEX البريطانية و EUMAM الأوروبية، بحسب مجلة الدفاع البريطانية.
ماري-أغنيس شتراك-تسيمرمان، رئيسة لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان الأوروبي، وصفتها بـ"خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تحالف أوروبي قوي يتجاوز الحدود المؤسسية".
براغماتية رغم "الخطوط الحمراء"
رغم تأكيد ستارمر أنه لن ينضم للسوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، تتجه بريطانيا نحو "توافق أقرب" مع أوروبا، بحسب المعهد المعتمد للتصدير والتجارة الدولية
في يناير 2026، دعا بول نواك، زعيم اتحاد النقابات العمالية، الحكومة لـ"إقامة أقرب علاقة اقتصادية وسياسية ممكنة مع الاتحاد الأوروبي"، بما في ذلك "النظر في كل خيار حتى الاتحاد الجمركي".
وقّع 100 نائب، بينهم 13 وزيراً عمالياً، على مشروع قانون يطالب بالتفاوض على اتحاد جمركي جديد.
لكن تحديات تلوح في الأفق، غرف التجارة البريطانية حذرت من أن رسوم الاتحاد الجديدة على الطرود منخفضة القيمة (يوليو 2026) "ستضر التنافسية" وتجعل السلع البريطانية "أقل جاذبية".
فرصة تاريخية بتحديات كبيرة
وفي تعليقه على النهج البريطاني يرى مركز الإصلاح الأوروبي أن "أسهل طريقة لتعميق التعاون هي جني انتصارات سريعة"، ويدعو إلى ترتيب إداري مع وكالة الدفاع الأوروبية، ومشاركة كاملة في مشاريع التعاون المنظم الدائم، وربط بريطانيا بالأدوات المالية الأوروبية للدفاع.
لكن المعهد الملكي للخدمات المتحدة، يحذر من "جرعة ثقيلة من الواقعية"، فعندما أنشأت بريطانيا السياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية العام 1998، "لم تكن أولوية للمملكة المتحدة" وفشلت في تحقيق أهدافها.
وتؤكد منظمة الشفافية الدولية للدفاع والأمن أن 60% من البريطانيين يدعمون روابط دفاعية أوثق، لكنها تحذر: "الحوكمة ما زالت متأخرة عن الطموح"، داعية إلى "بناء الشفافية والمساءلة من البداية".
من الخصوم إلى الشركاء الضروريين
تحول العلاقة البريطانية-الأوروبية من عداء ما بعد بريكست إلى شراكة استراتيجية يعكس واقعاً جديداً: تهديدات ترامب، وعدوانية روسيا، وتراجع الضمانات الأمريكية حوّلت الجغرافيا السياسية.
ويؤكد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الحرب في أوكرانيا، والتوترات مع الصين، وولاية ترامب الثانية تجبر الأوروبيين والبريطانيين على النظر لعلاقتهم بضوء جديد".
وأشار إلى أن البراغماتية، لا الأيديولوجيا، تعيد وصل ما قطعه بريكست.