عكَس توقيع الهند اتفاقية شراكة أمنية ودفاعية مع الاتحاد الأوروبي، تحوّلًا كبيرًا في سياسة نيودلهي الخارجية؛ ما كشف رغبتها الملحّة في تأمين مصالحها الوطنية بعيدًا عن تقلبات الولايات المتحدة وعجز موسكو.
وبحسب "فورين بوليسي"، فإن هذه الاتفاقية، التي وقعت في وقت سابق من الأسبوع الجاري، ستسهم في تعزيز التعاون بين الطرفين في مجالات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني.
وقالت مصادر مطّلعة إن الهند تواجه اليوم مأزقًا مزدوجًا في أمنها القومي؛ فمن جهة، روسيا، وهي المزود التقليدي لمعداتها العسكرية منذ حقبة الاتحاد السوفيتي، لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها بسبب حربها في أوكرانيا وحاجتها إلى تسليح قواتها الخاصة؛ ما جعل نحو 45% من واردات الهند الدفاعية تعتمد الآن على مصادر أخرى.
وعلى جانب آخر، الولايات المتحدة، رغم كونها مصدرًا متناميًا للأسلحة الحديثة، فإنها فرضت رسوماً جمركية باهظة تصل إلى 50% على بعض السلع، كما أن علاقتها بالهند تشهد توترات وابتزاز سياسي يجعل الاعتماد الكامل عليها محفوفًا بالمخاطر.
وفي هذا السياق، جاء الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي كخطوة استراتيجية عملية لتأمين الدفاع الهندي عبر شراكات أكثر استقرارًا وموثوقية؛ إذ يشمل الاتفاق التعاون في الأمن البحري، لمواجهة التصعيد الصيني في المحيط الهندي، ومكافحة الإرهاب في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية، فضلاً عن التعاون في الدفاع السيبراني، وهو المجال الذي أصبح محورًا رئيسًا لتأمين البنية التحتية الهندية الحيوية.
من جانبها، الهند، رغم استثماراتها طويلة الأمد لبناء قاعدة صناعية دفاعية محلية، لم تتمكن حتى اليوم من سد فجوات كبيرة في إنتاج المعدات العسكرية، خصوصًا الطائرات الحربية والغواصات والآليات القتالية الثقيلة.
وكان قائد سلاح الجو الهندي، أمار بريت سينغ، قد انتقد مؤخرًا شركة "هندوستان آيرونوتيكس" على إخفاقها في تسليم الطائرات الموعودة في الوقت المحدد؛ ما عكس بدوره حجم المشكلة، ولذلك، كان أمام نيودلهي خياران: إمّا الاعتماد على شراكات أجنبية أكثر موثوقية أو المخاطرة بترك أمنها في أيدي مصادر غير مستقرة.
ويعتقد محللون أن الصفقة تمثل أيضًا تحركًا هندسيًا سياسيًا في عالم متعدد الأقطاب؛ فالهند تسعى منذ سنوات إلى لعب دور متوازن بين القوى الكبرى، بعيدًا عن التبعية المطلقة لأي دولة، ولذلك فإن العمل مع الاتحاد الأوروبي يمنحها مساحة أكبر للمناورة الدولية ويقلل اعتمادها على كل من واشنطن وموسكو.
ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر أمام الهند والاتحاد الأوروبي هو تحويل هذه الصفقة من إعلان رمزي إلى شراكة دفاعية فعلية، وفي حين لا توجد التزامات فورية بشراء معدات عسكرية، لكن الإطار الذي وضعه الاتفاق يفتح الباب أمام تعاون مستقبلي أوسع، يشمل نقل التكنولوجيا، والتدريب المشترك، ومبادرات مشتركة لتعزيز الأمن السيبراني، كما يعكس الاتفاق رسالة سياسية واضحة: نيودلهي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الابتزاز أو العجز الدولي، وستسعى لتأمين مصالحها الحيوية بأي شريك مستقر وموثوق.