في قلب العاصمة الهندية نيودلهي، تلتقي أوروبا والهند في قمة تاريخية قد تعيد رسم خريطة التحالفات الاقتصادية العالمية.
وللمرة الأولى، يحضر قادة الاتحاد الأوروبي احتفالات عيد الجمهورية الهندي كضيوف شرف، في رسالة رمزية واضحة عن عمق الشراكة المنشودة بين الطرفين.
ووسط موجة من القرارات الأمريكية والرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، تسعى بروكسل ونيودلهي لإبرام ما يُسمى بـ"أم كل الصفقات" التجارية، في محاولة لخلق قطب ثالث في عالم تهيمن عليه ثنائية أمريكية-صينية.
وتنعقد القمة السادسة عشرة بين الاتحاد الأوروبي والهند الثلاثاء، ويمثل الاتحاد الأوروبي رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فيما يستضيفهما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.
ووفقاً لمجلس الاتحاد الأوروبي، فإن التجارة والأمن والدفاع والتحول النظيف والتعاون بين الشعوب ستتصدر أجندة المناقشات، حيث تُعد الهند شريكاً حاسماً للاتحاد الأوروبي، ويتشاركان القدرة والمسؤولية لحماية النظام الدولي القائم على القواعد.
وما يجعل هذه القمة استثنائية هو توقيتها.
وأفادت صحيفة "داون" الباكستانية أن الهند وأوروبا تأملان في إبرام "أم كل الصفقات" عندما يلتقي قادة الاتحاد الأوروبي برئيس الوزراء مودي في نيودلهي، حيث يواجه العملاقان الاقتصاديان تحديات من الصين والولايات المتحدة، وهما يتفاوضان على اتفاقية تجارة حرة ضخمة بدأت المحادثات بشأنها منذ نحو عقدين.
السياق الذي تُعقد فيه القمة لا يمكن فصله عن السياسات الأمريكية، إذ ذكرت منصة "ذا فيدرال" الهندية أن الصادرات الهندية، خاصة المنسوجات والمجوهرات، تعرضت لرسوم جمركية بنسبة 50% في الولايات المتحدة منذ أواخر أغسطس/آب 2025، ما يجعل اتفاقية التجارة الحرة بديلاً مهماً، كما توفر الاتفاقية وصولاً فورياً بديلاً لاقتصاد الاتحاد الأوروبي البالغ 22.5 تريليون دولار.
من جهتها قالت قناة "يورونيوز"، إن الاتفاقية ستساعد الهند على تعزيز سوق صادراتها بعد أن ضربت إدارة ترامب البلاد برسوم جمركية بنسبة 50%، بما في ذلك عقوبة 25% لشراء النفط الروسي، بينما تتوقع أوروبا فوائد ملحوظة لمجموعة من القطاعات من السيارات إلى المواد الكيميائية إلى النبيذ والمشروبات الروحية.
موقع "إنفيز" الاقتصادي حلل التطورات قائلاً، إن العام الماضي أنتج مشهداً غير معتاد في التجارة العالمية، بسبب سياسات ترامب الحمائية، حيث تتحرك اتفاقيات ظلت متوقفة لعقد أو أكثر فجأة بسرعة، بينما تنفق دول كانت تعتمد على الولايات المتحدة لترسيخ نظام رأسمالها السياسي لبناء بدائل.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين: "نحن على أعتاب اتفاقية تجارية تاريخية"، وفقاً لتقرير "داون".
وتعكس الأرقام ضخامة الصفقة، إذ يمثل الاتحاد الأوروبي والهند معاً حوالي ربع سكان العالم وناتجه المحلي الإجمالي، حيث وصلت التجارة الثنائية في السلع إلى 120 مليار يورو (139 مليار دولار) في 2024، بزيادة قدرها نحو 90% خلال العقد الماضي.
لكن الإمكانات أكبر من ذلك بكثير.
وأشار مسؤول أوروبي إلى أن "الهند لا تزال تمثل حوالي 2.5% فقط من إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي في السلع، مقارنة بنحو 15% للصين"، ما يشير إلى "الإمكانات غير المستغلة" التي يمكن أن تطلقها الاتفاقية.
وفي مقابلة مع "يورونيوز"، أكد مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش أن "في بعض القطاعات، لدى الهند رسوم جمركية على الاتحاد الأوروبي تصل إلى 150%، وبالتالي فإن جزءاً كبيراً من الاقتصاد كان مغلقاً تماماً أمام المصدرين الأوروبيين، والآن نحن نعيد الفتح، والفائدة الكبيرة ستكون فتح الاقتصاد، وبناء سلاسل توريد عالمية متكاملة والتحوط ضد عدم الاستقرار العالمي".
الاتفاقية ليست اقتصادية فقط، فمن جهتها قالت صحيفة "ذا ترون" إن القادة سيناقشون التعاون الأوثق بين الاتحاد الأوروبي والهند في مسائل الأمن والدفاع، خاصة في سياق إنشاء شراكة أمنية ودفاعية.
هذا التحول يعكس إعادة تموضع استراتيجي أوسع، حيث أشار المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية إلى أن تحول أوروبا نحو موقف أكثر جدية جيوسياسياً وموجه نحو الدفاع قد وضعها كشريك أكثر مصداقية في نظر الهند، قادر على تقديم أمن ملموس.
لكن رغم الزخم، تبقى تحديات، إذ أوضح موقع "إنديا بريفنغ" أن رئيسة المفوضية الأوروبية أبلغت أعضاء البرلمان الأوروبي في جلسة مغلقة، أن الاتفاقية ستوقع خلال الشهر ولن تمتد إلى القطاعات الزراعية.
القضية الأكبر تتعلق برسوم الكربون الأوروبية، إذ ذكرت "ذا ترون" أن آلية تعديل حدود الكربون للاتحاد الأوروبي تظل نقطة احتكاك كبيرة، حيث تصوغها بروكسل كأداة لمواءمة الواردات مع أهدافها المناخية، بينما أعربت نيودلهي عن قلقها من تأثيرها المعرقل المحتمل على المصدرين الهنود، خاصة في القطاعات كثيفة الطاقة.
القمة تهدف جيوسياسياً لإنشاء "قطب ثالث" هندي-أوروبي في عالم تتزايد فيه الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والصين.
هذا التوجه يعكس واقعاً جديداً في النظام العالمي، وفق ما ذكر موقع "ذا فيدرال".
أما موقع "إنفيز" فحلل السياق قائلاً إن الدول لم تعد تنتظر استقرار السياسة التجارية الأمريكية، بل على العكس، تبني شبكات كثيفة من الاتفاقيات في أماكن أخرى للتأمين ضد تراجعات أمريكية، وتكتسب التكتلات الإقليمية وزناً، وتصبح الأطر القانونية أعمق خارج الولايات المتحدة.
بدوره، قال أجاي سريفاستافا، مؤسس مبادرة أبحاث التجارة العالمية في نيودلهي، إن "خسارة السوق الأمريكية لا يمكن تعويضها أبداً من قبل الاتحاد الأوروبي حتى بعد اتفاقية التجارة الحرة".
من ناحيته، أشار فيشروت رانا، الاقتصادي الأول في "ستاندرد آند بورز جلوبال رايتنغز"، إلى أن "اتفاقية الهند والاتحاد الأوروبي يمكن أن تخفف جزئياً من تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على الصادرات".
الاتفاقية المرتقبة تمثل أكثر من مجرد صفقة تجارية؛ فهي محاولة لإعادة تشكيل التوازنات العالمية في عصر تتزايد فيه الحمائية وتتراجع فيه القيادة الأمريكية التقليدية للنظام التجاري الدولي.