اختتمت الهند والاتحاد الأوروبي رسميًا محادثات التجارة الحرة بعد نحو 20 عامًا من المفاوضات، معلنين بذلك بداية مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، وفقًا لما نقلته "دويتشه فيليه".
ووصف سانجاي بهاتاشاريا، السفير الهندي السابق لدى سويسرا وليختنشتاين، هذه الاتفاقية بأنها "لحظة عظيمة حقاً"، مشيرًا إلى أن الهند أصبحت اليوم سوقًا كبيرة وسريعة النمو، في وقت تراجعت فيه جاذبية الصين الاقتصادية بشكل ملحوظ.
وأضاف أن الصفقة تصحح أخيرًا "الحلقة المفقودة" في العلاقة بين الهند وأوروبا، المتمثلة في الوصول إلى الأسواق.
تتضمن الاتفاقية خفض الرسوم الجمركية على السيارات تدريجيًا من 110% إلى 10% على مدى خمس سنوات، ما يمثّل فرصة كبيرة لشركات صناعة السيارات الأوروبية مثل فولكس فاجن ومرسيدس بنز وبي إم دبليو.
ومع ذلك، لا تزال السوق الهندية صعبة التغلّب عليها بسبب هيمنة شركات محلية وسيارات "كي" اليابانية الصغيرة.
وقال ستيفان براتزل من مجموعة أبحاث السيارات الألمانية CAM: "إنها بداية، حاليًا، الفائدة الأكبر ستكون للسيارات الفاخرة، أما السيارات الإنتاجية الضخمة فالسوق لا تزال صعبة".
وتشمل الاتفاقية خفضًا كبيرًا أو إلغاء للرسوم الجمركية على ما يقرب من 97% من الصادرات الأوروبية إلى الهند، بما في ذلك الآلات، والمواد الكيميائية، والأدوية، والمنتجات الزراعية والغذائية.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه التخفيضات إلى مضاعفة الصادرات الأوروبية إلى الهند بحلول عام 2032، مع فتح فرص جديدة للاستثمار الأوروبي في الهند، لأن "الاستثمار يتبع التجارة دائمًا"، وفقًا لبهاتاشاريا.
لا تقتصر أهمية الاتفاقية على الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتشمل الأبعاد الجيوسياسية. يشير بهاتاشاريا إلى أن الاتفاقية تعكس إعادة تنظيم أوسع للسياسات الدولية، حيث تربط الهند والاتحاد الأوروبي بشكل أعمق عبر المبادرات في الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وأضاف: "عندما يجتمع مليارا شخص وما يقرب من ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فإن ذلك يخلق زخماً استراتيجياً خاصاً به".
وتأتي هذه الاتفاقية أيضًا كاستجابة عملية لتعثر التجارة متعددة الأطراف في منظمة التجارة العالمية، حيث أصبحت الاتفاقيات الثنائية والإقليمية أداة ضرورية للنمو وضمان مرونة سلاسل التوريد.
وقال السفير السابق: "إن التعددية في أزمة، ومنظمة التجارة العالمية في حالة غيبوبة عملياً، لذلك لجأت الهند والاتحاد الأوروبي إلى الاتفاقيات الثنائية لضمان النمو والتنمية".
بالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية، تتضمن الاتفاقية التزامات بالعمل المناخي وحماية البيئة وحقوق العمال وتمكين المرأة. ومن المقرر إطلاق منصة جديدة للتعاون المناخي بين الاتحاد الأوروبي والهند في عام 2026، مع صندوق بقيمة 500 مليون يورو لدعم التحول الصناعي المستدام وخفض الانبعاثات في الهند.
وتمثل هذه الاتفاقية خطوة تاريخية تعزز الروابط الاقتصادية والسياسية بين الهند والاتحاد الأوروبي، مع توقع أن تشهد التجارة والاستثمار والتكنولوجيا طفرة كبيرة، وأن تفتح الباب أمام شراكات استراتيجية جديدة في المنطقة وخارجها.