logo
العالم

نهاية "نيو ستارت".. "نووي بلا قيود" يقلق أوروبا

صاروخ نووي روسي

مع انتهاء معاهدة "نيو ستارت"، يسقط آخر قيد قانوني كان يفرمل أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، لتعود أوروبا إلى قلب معادلة الخطر، خصوصا في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، التي فاقمت الهواجس الأمنية للقارة العجوز. 

ويرى خبراء أن انتهاء صلاحية هذه الاتفاقية لا يعد مناسبة تقنية هامشية في روزنامة اتفاقيات ضبط التسلّح، بل هو محطة مفصلية تدخل فيها أوروبا مرحلة تتقوض فيها الأسس والتفاهمات التي قامت عليها منظومة الردع منذ نهاية الحرب الباردة.

تم توقيع معاهدة "نيو ستارت" عام 2010 ودخلت حيّز التنفيذ في 2011، واعتبرت الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من اتفاقات الحد من التسلّح النووي بين واشنطن وموسكو.

وتعود جذور هذه السلسلة إلى أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين نشر الاتحاد السوفياتي السابق صواريخ نووية في كوبا، وهو ما كشف للعالم أن الاقتراب من حافة "الفناء النووي" لم يعد سيناريو نظريا، بل احتمالا ممكن الحدوث، الأمر الذي دفع القوتين العظميين إلى إدارة الصراع النووي بقواعد وآليات تتيح مراقبة صارمة.

وحددت "نيو ستارت" سقفا يبلغ 1550 رأسا نوويا منتشرا لكل طرف، و800 منصة إطلاق وقاذفة ثقيلة، وأقامت نظام تفتيش متبادلا اعتبر عنصرا أساسيا في بناء الثقة. 

وجرى تمديد المعاهدة لمرة واحدة فقط، عام 2021، لتنتهي صلاحيتها في الخامس من الشهر الجاري من دون أي بند يسمح بتمديد إضافي، وسط غياب أي اتفاق بديل.

ولم تكن نهاية "نيو ستارت" مفاجئة، فقد سبقها انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى عام 2019، ثم تعليق عمليات التفتيش في إطار "نيو ستارت" منذ 2023 على خلفية الحرب الأوكرانية.

بهذا المعنى، فإن أكبر قوتين نوويتين في العالم، روسيا وأمريكا، تجدان نفسيهما اليوم وللمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، خارج أي التزام قانوني بشأن ترسانتيهما، وهو وضع يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد، يسمح لكل طرف بزيادة عدد الرؤوس النووية، بما قد يرفع حجم الترسانتين إلى مستويات غير مسبوقة منذ الثمانينيات.

ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن لدى الخبراء بعض التفاؤل إذ يرون أن الكلفة المالية الهائلة لتطوير ونشر الأسلحة النووية قد تشكّل عامل كبح مهمًا، ما يرجّح سيناريو سباق نوعي يركّز على تحديث الترسانات، وتحسين الدقة، ودمج التقنيات الحديثة في أنظمة الإنذار المبكر. 

وفي أحدث موقف من واشنطن، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منشور إنه يتعين على واشنطن إبرام "معاهدة جديدة ومحسنة وحديثة" مع روسيا بدلا من تمديد معاهدة نيو ستارت للحد من التسلح النووي.

وفي ظل تصاعد الطموحات النووية تبرز الصين لاعبا ثالثا لا يمكن إغفال دورها، فبينما انخفض إجمالي عدد الرؤوس النووية في العالم إلى نحو 12 ألف رأس بحلول 2025، بعد أن بلغ ذروته خلال الحرب الباردة، تشير التقديرات إلى أن بكين ضاعفت حجم ترسانتها أكثر من مرتين خلال العقد الماضي.

ويلاحظ الخبراء أن هذه الحقيقة تجعل العودة إلى اتفاقيات ثنائية تقليدية لضبط التسلّح أمرا صعبا، وتعيق أي محاولة لإحياء معاهدة دولية جديدة شبيهة بـ"نيو ستارت"، من دون إشراك الصين التي ترفض ذلك، وتؤيدها موسكو في موقفها.

أوروبا

رغم أن أوروبا لم تكن طرفا في "نيو ستارت" فإنها كانت مستفيدة من الاستقرار الذي وفّرته، فلم تكن تولي اهتماما كبيرا بالردع النووي، لكن مع انهيار المعاهدة،  تبدو مضطرة إلى إعادة النظر في موقعها الجغرافي الحرج كساحة مواجهة محتملة في عالم نووي بلا قيود.

وعبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن هذه الهواجس، واصفا نهاية المعاهدة بأنها "لحظة عصيبة على السلام والأمن الدوليين".

وحذر المسؤول الأممي من أن غياب القيود يزيد خطر سباق تسلح نووي وسوء تقدير كارثي.

من جانبها، دعت فرنسا، القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من التكتل، إلى نظام دولي جديد للحد من التسلّح، معتبرة أن نهاية "نيو ستارت" تعني زوال أي سقف لأكبر الترسانات النووية للمرة الأولى منذ الحرب الباردة.

وما يزيد من قلق القارة الأوربية أنها اعتمدت في الردع، طوال عقود، على المظلة النووية الأمريكية ضمن حلف الناتو.

ورغم تراجع الثقة في هذه المظلة خصوصا مع مجيء ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، فإنها ظلت ضمانة معقولة لأوروبا التي لا تمتلك "ردعا نوويا موحدا"، إذ تظل الترسانة الفرنسية وطنية القرار، فيما ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في القارة، لا تملك هذا السلاح.

علاوة على ذلك، فإن الحرب الأوكرانية تمثل عاملا إضافيا يعمّق القلق الأوروبي، بعد أن كشفت، أساسا، هشاشة ومحدودية القدرات الأوروبية في حماية أمنها بمعزل عن حليفتها الأمريكية.

ومع تصاعد الخطاب النووي الروسي باتت العواصم الأوروبية تخشى أن تتحول أوكرانيا إلى مسرح صدام أوسع لا تملك مفاتيح التحكم به.

وفي الوقت الذي يستبعد فيه خبراء لجوء روسيا إلى استخدام هذا السلاح، فإن الدب الروسي، ومع انتهاء نيو ستارت، بات يملك هامشا واسعا لتوظيف "الغموض النووي" كورقة ضغط سياسية واستراتيجية، في عالم نووي بلا قيود وضوابط كابحة.

ويرجح الخبراء أن مجرد التلويح بالقدرات النووية، أو إجراء مناورات، أو إعادة نشر أنظمة قادرة على حمل رؤوس نووية قرب حدود الناتو، يكفي لرفع منسوب الخطر وإرباك حسابات الخصوم. 

وهذا يعني، بحسب خبراء، أن الأمن الأوروبي ليس بالضرورة أن يكون مهددا بسيناريو الضربة النووية، في المرحلة الحالية، بل بحرب أعصاب طويلة الأمد تُستخدم فيها القدرات النووية كأداة ابتزاز.

وبين حرب مشتعلة شرقا، وتراجع اليقين غربا، تجد أوروبا أن أمنها بات مرهونا بقرارات نووية لا دور لها فيها، وسط معادلة لا توحي بالطمأنة، تفيد أن غياب القيود على السلاح يكون أخطر أحيانا من السلاح نفسه.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب وفلاديمير بوتين

"ساعة الصفر النووية".. ترامب أمام قرار حاسم قبل انتهاء "نيو ستارت"

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC