يثير التقارب بين العديد من القوى الإقليمية في إفريقيا مقابل تراجع النفوذ الغربي إثر طرد القوات الفرنسية والأمريكية من غرب القارّة تساؤلات جدية حول ملامح منظومة جديدة بدأت تتشكل في القارّة السمراء.
وأدت الانقلابات العسكرية، التي عرفتها دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى تراجع الحضور الغربي بشكل لافت ما أتاح لقوى إقليمية تصدّر المشهد، وكذلك بروز قوى جديدة مثل كونفدرالية الساحل الإفريقي التي تحاول منافسة القوى التقليدية على غرار المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).
وعلى الرغم من أنّ فرنسا والولايات المتحدة وألمانيا وغيرها لا تزال تتحرّك لاستعادة نفوذها، إلا أنّ القوى الإقليمية الصاعدة نجحت في تكريس نفوذ سياسي وأمني غير مسبوق.
وتأتي هذه التطوّرات في وقت تُعاني فيه القارة الإفريقية من فوضى أمنية وسياسية غير مسبوقة حيث نجحت جماعات مسلحة مثل نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة الإرهابي في تكريس نفوذ لها في دول مثل مالي وبوركينا فاسو، الأمر الذي بات يُهدد صمود أنظمة تلك الدول.
وتاريخياً، راهنت الدول الإفريقية على تحالف تقليدي مع القوى الغربية، لكنها تخلّت عن هذا التحالف في السنوات الماضية في خطوة أثارت انقساماً غير مسبوق في تقييم قدرته على تمكين القارّة من تجاوز مشكلاتها الأمنية والاقتصاديّة.
وقال المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإفريقية، قاسم كايتا، إنّ "القارة الإفريقية تعرف بالفعل تحوّلات سياسية وأمنية كبيرة، وهي تحولات تواجه اختبارات جديّة مثل التصدي للجماعات المسلحة التي نجحت في تطوير قدراتها القتالية وأصبحت رقماً صعباً في المعادلة".
وبيّن، لـ"إرم نيوز"، أنّ "التنسيق الأمني بين الدول الإفريقية مهم لكنه غير كافٍ في اعتقادي لمواجهة التحديات الراهنة، والعداء الذي يكنّه بعض القادة للغرب أيضاً لا يمكن أن يُحقّق إنجازات ملموسة على أرض الواقع سواء اقتصادياً أو أمنياً".
وأشار كايتا إلى أن "الحلّ يكمن في المرور إلى الفعل وتبنّي استراتيجيات دفاعية واقتصادية طويلة الأمد، وهذا يقتضي تنويع الشراكات لا بناء تحالف مع قوة دولية أو إقليمية محددة ومهاجمة الآخرين".
وشدد أنّ "التعويل على الذات وتأميم الثروات الوطنية أمر مهمّ، لكن للأسف الدول الإفريقية وخاصة غرب القارة لا تملك خيارات كثيرة في مواجهة التحديات الراهنة؛ لذلك عليها الانفتاح على أكثر من شريك دولي".
بدوره اعتبر المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإفريقية، محمد الحاج عثمان، أنّ "هناك تعدّد بالفعل، فرغم الحديث عن تخلي إفريقيا عن تحالفها التقليدي مع الغرب إلا أنّ دولا كثيرة لا تزال تقيم شراكات متطوّرة مع قوى مثل فرنسا والولايات المتحدة على غرار نيجيريا وبنين وساحل العاج، وهذا من حقهم".
وأوضح، لـ"إرم نيوز"، أنّ "هناك تعدد بين المراهنة على القوى الدولية والقوى الإقليمية، وهذا في اعتقادي يخدم إفريقيا التي تعاني بالفعل من أزمات لا تكاد تنتهي".