أعاد احتجاز الولايات المتحدة لناقلة نفط ترفع العلم الروسي في شمال المحيط الأطلسي، وعلى بعد نحو 4000 كيلومتر من السواحل الأمريكية، فتح نقاش واسع حول صورة القوة الروسية وحدود ردعها، في لحظة حرجة يواجه فيها الرئيس فلاديمير بوتين ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، وفق صحيفة "يوراسيان تايمز".
الحادثة، التي وقعت رغم تقارير عن وجود غواصة نووية روسية في المنطقة، طرحت سؤالاً حساسًا، هل بدأت صورة "الرجل القوي" التي بناها بوتين على مدار عقدين بالتصدع؟
لطالما شكّلت صورة الزعيم القادر على فرض الهيبة وحماية المصالح الروسية في الخارج أحد أعمدة شرعية حكم بوتين.
غير أن مشهد صعود قوات خاصة أمريكية على متن ناقلة نفط روسية، دون رد عسكري مباشر من موسكو، أضعف هذه الصورة في نظر قطاع من النخب القومية والرأي العام.
ويذهب بعض المحللين إلى أن تجاهل هذا "الاستفزاز"، كما تصفه موسكو، قد يُفسَّر داخليًا على أنه تراجع في الإرادة السياسية، ما يفتح الباب أمام تشكيك غير مسبوق في قدرة الكرملين على الردع.
في المقابل، فإن أي رد متسرع قد يحمل مخاطر أكبر. فروسيا تخوض منذ أربع سنوات حربًا واسعة في أوكرانيا، تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية، وتضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي عبر حرب بالوكالة.
من هذا المنظور، يرى خبراء أن امتناع موسكو عن التصعيد البحري لا يعكس ضعفًا بقدر ما يعكس حسابات دقيقة لتجنب توسيع رقعة المواجهة.
أثار احتجاز الناقلة موجة غضب داخل الأوساط السياسية والإعلامية الروسية؛ فقد دعا عدد من نواب مجلس الدوما، بينهم أليكسي جورافليف وأندريه غوروليف، إلى ردود عسكرية مباشرة، بل وذهب بعضهم إلى التلويح باستخدام الطوربيدات أو حتى الأسلحة النووية.
كما اقترح مدونون عسكريون الرد باحتجاز ناقلات نفط أمريكية، خاصة في بحر البلطيق.
غير أن هذا الخطاب التصعيدي يصطدم بواقع ميداني معقد. إذ يؤكد خبراء دفاع أن التفوق الأمريكي في الحرب التقليدية، خاصة في أعالي البحار، يجعل أي مواجهة مباشرة محفوفة بمخاطر جسيمة على موسكو.
ويشير محللون إلى أن روسيا، حتى وإن امتلكت قدرات نووية هائلة، تفتقر إلى خيارات تصعيد فعالة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يمكن التحكم في نتائجها.
تتفاقم هذه القيود مع العزلة النسبية التي تواجهها موسكو دوليًا. فمعظم الدول الأوروبية تقف في صف واحد ضد روسيا بسبب حرب أوكرانيا، بينما يعاني عدد من حلفائها التقليديين من أزمات داخلية أو خسائر استراتيجية، كما في سوريا وفنزويلا.
وفي الوقت نفسه، تلوح في الأفق تشريعات أمريكية جديدة قد تفرض رسومًا جمركية قاسية على مشتري النفط واليورانيوم الروسيين، ما يهدد بتقليص الأسواق المتاحة لموسكو.
في ضوء هذه المعطيات، يرى محللون أن الرد الروسي المرجح لن يكون في المحيط الأطلسي أو بحر البلطيق، بل على الجبهة الأوكرانية. ففتح جبهة جديدة ضد الولايات المتحدة قد يؤدي إلى تشتيت القوات الروسية وإضعاف المجهود الحربي الأساسي.
وبدلاً من ذلك، قد تسعى موسكو إلى تكثيف عملياتها العسكرية في أوكرانيا لتحقيق اختراق حاسم يعيد ترسيخ صورتها كقوة قادرة على فرض وقائع استراتيجية رغم الضغوط الغربية.
ويعتبر بعض الخبراء أن تحقيق أهداف روسيا في أوكرانيا، رغم الدعم العسكري والسياسي الغربي لكييف، سيكون الرد الأكثر فاعلية على ما تصفه موسكو بـ"السلوك الأمريكي المارق".
نجاح روسيا في هذا المسار من شأنه أن يعزز سردية الصمود ويعيد ترميم صورة الردع، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
في المحصلة، تكشف حادثة الناقلة عن مأزق استراتيجي حقيقي يواجهه الكرملين: بين ضرورة الحفاظ على صورة القوة، ومخاطر التصعيد غير المحسوب.
وبينما يبدو أن خيارات موسكو محدودة، يبقى التركيز على الجبهة الأوكرانية هو المسار الأكثر واقعية لتجنب خسائر أكبر، والحفاظ على تماسك النظام في الداخل.