أثارت المقترحات الأخيرة لفرض رسوم جمركية على الواردات الصينية في فرنسا، انقسامًا واضحًا داخل الحكومة؛ ما فجر جدلًا واسعًا بين من يرى ضرورة مواجهة شاملة للصعود الصناعي الصيني، ومن يفضل نهجًا أكثر حذرًا ودقة لتجنب تداعيات اقتصادية محتملة.
وبحسب "ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، فإن المفوضية العليا للتخطيط الاستراتيجي الفرنسية، وهي جهة استشارية مكلفة بتحديد استراتيجية الدولة الاقتصادية، دعت إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 30% على جميع الواردات الصينية، أو خفض قيمة اليورو بنسبة تتراوح بين 20-30% مقابل اليوان لحماية المنتجين المحليين، معتبرة أن المنافسة الصينية تشكل تهديدًا مباشرًا للصناعات المحلية.
ووفقًا للتقرير الذي أعدّته المفوضية العليا بشأن التهديد الذي تمثله الصين للصناعة الأوروبية، فإن نحو ربع الصادرات الفرنسية وثلث الصادرات الألمانية باتت مهددة، وقد يصل الخطر في المدى المتوسط إلى 55% من الإنتاج الصناعي الأوروبي إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تدخل.
وحذرت الهيئة من أن التباطؤ في التحرك أو الاقتصار على سياسات قطاعية لن يكون كافيًا لمواجهة هذا التحدي، معتبرة أن الوقت "ليس في مصلحة أوروبا".
على الجانب الآخر، شدد وزير المالية رولاند ليسكور على أن فرض تعريفات عامة على كل الواردات الصينية قد يؤدي إلى آثار سلبية على النمو، ويزيد من الضغوط التضخمية، مؤكدًا أن الحل يكمن في إجراءات أكثر استهدافًا، وهذه الإجراءات، بحسب الوزير، ينبغي أن تركز على القطاعات الأكثر هشاشة، حيث تواجه المنافسة الصينية أكبر تحدٍ، مع الحفاظ على قنوات التعاون مع الصين لجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا؛ ما قد يسهم في تعزيز القدرة التنافسية الفرنسية دون تهديد الاستقرار الاقتصادي.
ويرى المحللون أن الجدل الفرنسي يعكس صعوبات كبيرة في الموازنة بين حماية الصناعة المحلية والحفاظ على اقتصاد مستقر؛ فخيار فرض رسوم شاملة يعرض باريس لمخاطر تضخمية واضحة وقد يضر بموقع فرنسا في الأسواق الأوروبية والدولية، بينما يتطلب النهج الانتقائي قدرة كبيرة على التحديد الدقيق للمجالات الأكثر تضررًا، إضافة إلى جهود مستمرة لتعزيز الابتكار والاستثمار الداخلي.
كما يكشف الانقسام داخل الحكومة عن توترات أوسع داخل الاتحاد الأوروبي بشأن استراتيجية التعامل مع الصين؛ فبينما تدعو بعض العواصم إلى سياسات حمائية شاملة لمواجهة نفوذ الصين الصناعي، يفضل آخرون سياسات انتقائية تركز على تعزيز القدرة التنافسية الأوروبية عبر الابتكار والتحفيز الاستثماري، دون الانجرار إلى مواجهة تجارية شاملة قد تؤدي إلى أزمات اقتصادية.
ويعتقد مراقبون أن فرنسا تبدو أمام معضلة واضحة تتمثل في حماية صناعاتها المحلية من سرعة النمو الصناعي الصيني دون المخاطرة بارتفاع التضخم أو إضعاف الاقتصاد، وفي الوقت نفسه محاولة الحفاظ على الانفتاح الاستثماري الذي لطالما شكل رافعة للنمو والتكنولوجيا داخل البلاد، وهذا التوازن الدقيق سيحدد قدرة باريس على إدارة المنافسة الصينية ضمن الإطار الأوروبي، مع الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والسياسي على المدى الطويل.