مع تصاعد التوتر في الخليج وبدء الحصار البحري على إيران، تعود العلاقة بين بكين وطهران إلى الواجهة بوصفها واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في المشهد الدولي.
فالصين، التي تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها الاقتصادية وتجنب الصدام مع الولايات المتحدة، تجد نفسها أمام معادلة حساسة؛ الاستفادة من إيران دون الانزلاق إلى كلفة الصراع.
الطاقة أولًا.. شريان لا يمكن الاستغناء عنه
تُعد إيران مصدرًا مهمًا للطاقة بالنسبة للصين، خاصة في ظل حصول بكين على النفط الإيراني بشروط ميسّرة وأسعار منخفضة، وفق تقارير رويترز. وهذا العامل، كما يوضح الخبير الاستراتيجي محمد يوسف النور، المتخصص في الشؤون الصينية، يجعل إيران بمثابة "خط بديل" للصين في عالم يتسم بعدم الاستقرار في أسواق الطاقة.
ويضيف النور أن بكين، التي فقدت في الأشهر الماضية جزءًا من اعتمادها على فنزويلا كمصدر للطاقة، باتت أكثر حاجة للحفاظ على هذا المسار الإيراني، ما يعزز من أهمية العلاقة من منظور استراتيجي بحت.
تأثير الجغرافيا السياسية
إلى جانب الطاقة، تبرز أهمية إيران الجيوسياسية. فبحسب تحليلات المجلس الأطلسي، تمثل إيران نقطة محورية في مشروع "الحزام والطريق"، كونها تربط بين آسيا وأوروبا والخليج.
هذا البعد يؤكده النور، مشيرًا إلى أن إيران ليست فقط مصدر طاقة، بل "ممر استراتيجي بري وبحري"، يمنح الصين نفوذًا إضافيًا في مواجهة الولايات المتحدة، ويعزز قدرتها على المناورة في علاقاتها مع الدول المصدرة للنفط.
دعم غير معلن.. وتوازن معقد
ورغم أن الصين تتجنب الانخراط العسكري المباشر، فإن تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية و(War on the Rocks) تشير إلى وجود أشكال من التعاون غير المباشر، خاصة في المجالات التقنية واللوجستية ذات الاستخدام المزدوج.
ويلفت النور إلى أن بكين "توازن بين دعم غير معلن وخطاب سياسي يدعو للتهدئة"، في محاولة للاستفادة من العلاقة دون دفع أثمان كبيرة، مؤكدًا أن الصين ترفض العقوبات، لكنها في الوقت نفسه تتجنب أي صدام مباشر مع واشنطن.
بين النفوذ والعبء.. لحظة التحول المحتملة
رغم هذه المكاسب، لا تبدو العلاقة خالية من المخاطر. فمع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من واردات الصين النفطية وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تتحول إيران تدريجيًا من ورقة نفوذ إلى مصدر قلق محتمل.
ويحذر النور من أن استمرار التصعيد أو اندلاع مواجهة أوسع قد يجعل إيران "عبئًا استراتيجيًا كبيرًا" على الصين، خاصة إذا تعرضت إمدادات الطاقة للخطر أو تصاعدت الضغوط والعقوبات الأمريكية على الشركات الصينية.
سياسة التوازن.. أقصى استفادة بأقل كلفة
في المحصلة، لا تنظر الصين إلى إيران كعبء خالص ولا كورقة نفوذ مطلقة، بل كأداة استراتيجية تُدار بحسابات دقيقة. فكما يشير النور، تسعى بكين إلى "الاستثمار في إيران دون أن تدفع أثمانًا كبيرة"، عبر الحفاظ على العلاقة دون التورط في تحالف دفاعي أو مواجهة مباشرة.
وتتوافق هذه القراءة مع تقديرات مجموعة الأزمات الدولية، التي ترى أن الصين ستواصل سياسة التوازن، مستفيدة من إيران اقتصاديًا وجيوسياسيًا، مع إبقاء مسافة كافية لتجنب الانجرار إلى صراع مفتوح.
وبين هذين المسارين، تبقى العلاقة الصينية - الإيرانية واحدة من أكثر العلاقات ديناميكية في المرحلة الحالية: نفوذ