أعلنت حزب "الجمهوريين" الفرنسي، بتأييد 73.8% من أصوات المنخرطين، تزكية رئيسه برونو ريتايو مرشحًا رسميًا للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، في خطوة تُعد محطة مفصلية داخل معسكر اليمين.
لكن هذا "الإجماع" المعلن يخفي وراءه انقسامات داخلية عميقة، وتساؤلات متزايدة حول قدرة ريتايو على توحيد اليمين الفرنسي في مواجهة الاستحقاق الرئاسي، ولا سيما في ظل صعود اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا.
وتكشف الأرقام عن صورة أكثر تعقيدًا، إذ بلغت نسبة المشاركة في التصويت 60% فقط من أصل نحو 76 ألف منخرط، ما يعادل قرابة 46 ألف صوت. ووفق تقديرات إعلامية فرنسية، فإن نحو 30 ألف عضو فقط صوّتوا لصالح ريتايو، ما يثير تساؤلات حول حجم القاعدة الداعمة الفعلية له داخل الحزب.
كما يشير تراجع عدد المنخرطين، الذي كان يناهز 127 ألفًا في مايو/أيار 2025، إلى خسارة الحزب أكثر من 50 ألف عضو خلال عام واحد، في مؤشر على أزمة ثقة داخلية متفاقمة.
ورافق عملية التزكية انقسام واضح داخل الحزب، حيث صوّت بعض القياديين بورقة بيضاء، فيما دعا آخرون إلى انتخابات تمهيدية مفتوحة. وذهب بعض المسؤولين إلى وصف العملية بأنها لا تعكس توافقًا حقيقيًا، بل تسوية داخلية محدودة.
كما لم يلتزم عدد من الأسماء البارزة داخل اليمين بقرار الحزب، إذ يواصل كزافييه برتران الاستعداد لخوض السباق بشكل مستقل، بينما أعلن ميشيل بارنييه أنه يرى نفسه "قادرًا على قيادة البلاد". في المقابل، انسحب دافيد ليسنار من الحزب معلنًا ترشحه، بينما يتصدر إدوار فيليب استطلاعات الرأي دون أي نية للانخراط في مسار ريتايو.
ويُدرك مقربون من ريتايو صعوبة المرحلة، حيث يُعوَّل على الأشهر المقبلة لإعادة تثبيت موقعه داخل معسكر اليمين، ومحاولة اللحاق بالمنافسين في استطلاعات الرأي قبل الخريف.
ويطرح ريتايو برنامجًا يرتكز على شعارات "النظام والعدالة والحرية"، مع تركيز على الأمن والهوية، إلى جانب إصلاحات دستورية تهدف إلى تقليص صلاحيات المجلس الدستوري وتعزيز ما يصفه بـ"سيادة الإرادة الشعبية".
غير أن هذا التوجه قد يوسع الفجوة مع حلفاء محتملين، خصوصًا مع تيار إدوار فيليب، الذي يتصدر المشهد السياسي في هذا المعسكر.
وفي ظل رفض ريتايو أي تحالف مع التجمع الوطني، واستمرار انقسام اليمين بين تيارات متعددة، يبقى المشهد السياسي مفتوحًا على احتمالات معقدة، خاصة مع تصاعد قوة اليمين المتطرف بقيادة لوبان وبارديلا.
وفي المقابل، يعاني اليسار الفرنسي من تشتت مماثل، رغم محاولات متكررة لتوحيد صفوفه، ما يعكس حالة عامة من إعادة التشكل داخل المشهد السياسي الفرنسي.
وبين شرعية حزبية محدودة وطموح رئاسي واسع، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة ريتايو على تحويل هذا التتويج الداخلي إلى مشروع وطني قادر على المنافسة، أو الاضطرار في النهاية إلى إعادة تموضع داخل تحالفات أوسع خلال المرحلة المقبلة.