وزارة الصحة اللبنانية: الهجمات الإسرائيلية تسفر حتى 16 أبريل عن 2294 قتيلا و7544 مصابا
في الوقت الذي تدفع فيه واشنطن بثقلها العسكري في آسيا من أجل توسيع شبكتها الدفاعية وربط الممرات البحرية الحساسة ببنية أمنية أكثر تماسكًا، تواصل موسكو تثبيت حضورها في أسواق الطاقة عبر منافذ في القارة ما زالت تمنحها مجالًا للحركة رغم الضغط الأمريكي المتصاعد.
ومطلع الأسبوع الجاري، دفعت واشنطن بعلاقتها العسكرية مع إندونيسيا إلى مستوى أعلى عبر إعلان "شراكة تعاون دفاعي كبرى" خلال لقاء وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ونظيره الإندونيسي شافري شمس الدين.
وفي التوقيت نفسه دخل إلى التداول مقترح أمريكي يطلب توسيع وصول الطيران العسكري الأمريكي إلى الأجواء الإندونيسية، وهو ما أبقته جاكرتا داخل مراجعة مؤسساتية مشددة ربطتها بمسألة السيادة، ثم ثبّتت وزارة الخارجية الإندونيسية هذا السقف يوم الأربعاء حين أكدت أن الدولة لا تمنح أي طرف أجنبي وصولًا غير مقيّد إلى مجالها الجوي.
وفي اليوم نفسه تحركت شحنة غاز طبيعي مسال من مشروع بورتوفايا الروسي الخاضع للعقوبات الأمريكية نحو الهند في أول وصول من هذا النوع إلى السوق الهندية بعد تمركز هذه الإمدادات في الصين، ثم قال الكرملين الخميس إن موسكو طورت أدوات تخفف أثر العقوبات.
منطق التوازن الآسيوي الجديد
خلال أيام قليلة، تقدمت واشنطن في إندونيسيا عبر الشراكة الدفاعية وطلب توسيع وصول الطيران العسكري الأمريكي، وتحركت جاكرتا في الوقت نفسه نحو موسكو في ملف الطاقة، وفتحت الهند ممرها أمام شحنة الغاز الروسي.
ما تكشفه هذه الوقائع يعكس نمطًا آخذًا في الترسخ داخل آسيا، قوامه الفصل النسبي بين المسارات الأمنية والاقتصادية في إدارة العلاقات الكبرى.
فدول محورية مثل إندونيسيا والهند لم تعد تنظر إلى علاقتها بواشنطن أو موسكو بمنطق التحالف الشامل الذي يفرض اصطفافًا متكاملًا، بل بمنطق انتقائي أكثر براغماتية، يتيح لها توسيع التعاون العسكري مع الولايات المتحدة حيث تقتضي حسابات الردع والتدريب والتكنولوجيا ذلك، والإبقاء في الوقت نفسه على منافذ مفتوحة مع روسيا في الطاقة أو التسليح أو التبادل الاقتصادي عندما تتقدم اعتبارات الكلفة والأمن الطاقي والمصلحة الداخلية.
ولا تكتسب الخطوة الأمريكية في إندونيسيا أهميتها من مجرد توسيع التعاون الثنائي، بل من موقعها داخل مسرح الإندو–باسيفيك باعتباره الحيز الذي تسعى واشنطن إلى إعادة هندسة توازناته البحرية والأمنية على نحو يقيّد خصومها ويؤمن خطوط الملاحة الحساسة.
فتعزيز الشراكات الدفاعية مع دول تقع على تخوم الممرات الحيوية لا يعني فقط بناء حضور عسكري أكبر، إنما يعني أيضًا محاولة تثبيت بنية ردع ممتدة، تجعل الشراكة الأمنية أداة لتنظيم المجال البحري والسياسي معًا.
حدود الردع الأمريكي وهوامش السوق الروسية
غير أن هذا المسار يصطدم بحدود واضحة، لأن الدول نفسها التي تتعاون أمنيًا مع واشنطن لا تُبدي استعدادًا تلقائيًا لتحويل هذا التعاون إلى اصطفاف اقتصادي شامل ضد موسكو أو غيرها، وهو ما يكشف أن بنية الإندو–باسيفيك الناشئة ليست بنية تحالفات صلبة بقدر ما هي بنية نفوذ متداخل، يجمع بين الردع من جهة، واستمرار البراغماتية الاقتصادية من جهة أخرى.
بينما تحركت جاكرتا نحو موسكو خلال الأيام نفسها، وربطت التصريحات الإندونيسية الزيارة المرتقبة للرئيس برابوو سوبيانتو إلى روسيا بملف الطاقة وبحث شراء النفط الروسي في ظل ضغط متصاعد على الإمدادات العالمية، وهو ما أدخل ملف الطاقة مباشرة في جدول الحركة الإندونيسية خلال الأسبوع نفسه.
أما في نيودلهي فقد دفعت الحكومة مع واشنطن إطارًا تجاريًا مرحليًا يعيد ترتيب الرسوم والواردات ويزيد مشتريات الطاقة والسلع الأمريكية، ثم فتحت في نيسان ممرها الاستيرادي أمام شحنة غاز طبيعي مسال من مشروع بورتوفايا الروسي الخاضع للعقوبات الأمريكية والمتجهة إلى محطة داهيج.
وتحمل الهند هنا قيمة تتجاوز صفقة غاز واحدة، لأنها تمنح موسكو منفذًا جديدًا في سوق ضخمة، وتمنح واشنطن في الوقت نفسه شريكًا اقتصاديًا لا يغادر مساره معها، ومن هذه النقطة تظهر نيودلهي كمساحة تختبر فيها القوتان حدود النفوذ وحدود السوق معًا.
ممرات الإمداد وموازين الهيمنة
وتضغط السوق الآسيوية بثقلها الاستيرادي على حركة الطاقة ومساراتها، من الهند إلى إندونيسيا وصولًا إلى الصين، بحيث لم تعد الموانئ ومحطات الاستقبال والعقود الفورية والطويلة مجرد أدوات تجارية، بل نقاطًا مؤثرة في إعادة توجيه الشحن والتسعير داخل صراع النفوذ الأوسع.
ويزداد هذا الوزن وضوحًا مع اضطراب الإمدادات، وتقلّب الأسعار، والتوترات الممتدة في الشرق الأوسط وعلى طرق الشحن البحري، إذ دفعت هذه العوامل الدول الآسيوية المستوردة إلى توسيع هوامشها والبحث عن منافذ متعددة تقيها كلفة الارتهان لمسار واحد.
وفي ظل هذا الضغط، تصبح السرعة في الوصول إلى الإمداد، والقدرة على التفاوض على السعر، ومرونة العقود، عناصر ذات قيمة سياسية واقتصادية في آن معًا.
وقد رسّخت واشنطن حضورها في المسار العسكري، فيما أبقت موسكو لنفسها موضعًا فاعلًا في سوق الطاقة، وبين الخطين ظهرت آسيا فضاءً تعيد فيه الحكومات ترتيب علاقتها بالقوى الكبرى وفق حاجات الجيش والإمداد والسوق وضغوط الداخل، لذلك تأتي أهمية ما جرى بين جاكرتا ونيودلهي من كونه يكشف أن النفوذ في هذه المرحلة يتكون تدريجيًا داخل الشراكات العملية والعقود والممرات وقدرة كل طرف على تثبيت حضوره داخل حسابات الآخرين.