بعد شهر ونصف من الانقلاب الذي أطاح بالرئيس عمرو سيسوكو إمبالو في 26 نوفمبر 2025، صوّت المجلس العسكري الحاكم في غينيا بيساو على تعديل الدستور، محولًا البلاد من نظام شبه برلماني إلى نظام رئاسي، وسط تساؤلات حول شرعية هذا التغيير الدستوري.
قام المجلس الوطني الانتقالي، الهيئة التشريعية التي عيّنها المجلس العسكري بقيادة الجنرال هورتا نتام، بالإجماع على تعديل الدستور يوم الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة "فرانس برس".
ويعطي التعديل الجديد الرئيس صلاحيات واسعة، تشمل تعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، وحل البرلمان عند الضرورة.
وتأتي هذه الخطوة بعد الإطاحة بالرئيس إمبالو وتعليق العملية الانتخابية الجارية، في انقلاب وصفه مراقبون بـ "الغريب"، حيث تولى المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد بشكل مباشر.
في النسخة المعدلة من الدستور، سيتولى الرئيس السيطرة على تعيين الحكومة، بينما تم تغيير اسم البرلمان من "المجلس الوطني الشعبي" إلى "المجلس الوطني"، ما يعكس تعزيز الصلاحيات الرئاسية وتقليص دور الهيئة التشريعية السابقة في إدارة الشؤون التنفيذية.
حتى الآن، كان رئيس الوزراء في غينيا بيساو يأتي عادة من الأغلبية البرلمانية، ما أدى إلى صراعات متكررة بين الرئيس والحكومة، كما حدث بعد الانتخابات العامة لعام 2023.
حينها حلّ الرئيس إمبالو البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة، واعتبر أن هناك محاولة انقلاب، ثم حكم بمراسيم حتى عزله في 26 نوفمبر.
وعلق مامادو كويتا، عضو المجلس الوطني للعمل الذي يمثل المجتمع المدني، على التعديل قائلاً: "إذا تم إصدار القانون ونشره، فسيضع حداً للقيادة المزدوجة على رأس الدولة.
لقد شهدنا في السنوات الأخيرة أزمات بين رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه المنتمي إلى الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية."
ويبدو أن الهدف من تعديل الدستور، وفق مراقبين، هو إزالة أي تضارب في السلطة وضمان تركيزها في يد الرئيس، الذي أصبح الآن شخصية محورية في الحكم الانتقالي.
رغم الموافقة على التعديل داخل المجلس الانتقالي، تثير الصلاحية القانونية لهذه الخطوة جدلاً واسعًا.
قال توني تشيكا، معلق سياسي، في مقابلة مع محطة إذاعية برتغالية: "نعيش في وضع خطير للغاية وغير قابل للتنبؤ، لأن هذا المجلس الوطني الانتقالي غير شرعي قانونيًا، وبالتالي، فإن أي قرار يصدر عن هذه المؤسسة لا قيمة قانونية له".
كما عبّر نيكس فارياس، طالب دكتوراه في القانون، عن قلقه من تركيز السلطة في يد شخص واحد، قائلاً: "ما الذي تسعى إليه القيادة العسكرية العليا إن لم يكن تركيز كل السلطة في يد رجل واحد هو القائد المطلق؟"
ويشير المراقبون إلى أن هذا التعديل يعكس رغبة المجلس العسكري في ترسيخ سيطرة الجنرال هورتا نتام على شؤون الدولة، مع تهميش أي مؤسسات قد تشكك في سلطته، ما يزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد.
أبدى العديد من قادة المجتمع المدني والمراقبين السياسيين مخاوفهم من أن التغيير الدستوري قد يحد من دور البرلمان والمشاركة الشعبية في صنع القرار، ويؤسس لنظام مركزي يسيطر فيه الجيش على السياسة الداخلية والخارجية للبلاد.
وقد حذر محللون من أن التحول المفاجئ إلى نظام رئاسي بعد الانقلاب، وعدم وجود انتخابات أو دعم شعبي واسع، يمكن أن يزيد من عدم الاستقرار ويعقد جهود إعادة الانتظام الدستوري والديمقراطي في غينيا بيساو على المدى المتوسط.
ومع اعتماد النظام الرئاسي رسميًا، سيواجه الجنرال هورتا نتام اختبارًا مزدوجًا: إدارة شؤون الدولة في فترة انتقالية حساسة، والحفاظ على توازن السلطة بين الجيش والمجتمع المدني، وفي الوقت ذاته، التعامل مع الضغوط الدولية لتسريع العودة إلى العملية الديمقراطية.
ويبقى السؤال الأساسي؛ هل سيحقق التعديل استقرارًا مؤقتًا أم أنه سيدخل غينيا بيساو في دوامة جديدة من الصراع بين السلطة والشرعية؟ هذا السؤال يظل مفتوحًا مع مراقبة المجتمع الدولي والمواطنين المحليين لخطوات القيادة الانتقالية القادمة.