في خطوة تعكس إعادة ترتيب جذرية لأولويات القيادة الأوكرانية، اختار الرئيس فولوديمير زيلينسكي رئيس المخابرات كيريلو بودانوف ليكون مساعده الرئيسي الجديد، في قرار يضع جندياً ميدانياً صلباً محل دبلوماسي متورط في فضائح فساد.
الرجل الذي يحظى بثقة شعبية تفوق الرئيس نفسه، والذي نجا من محاولات اغتيال متكررة من بينها واحدة خلال عمله كجاسوس في روسيا، يتولّى، الآن، منصب الرجل الثاني في أوكرانيا في وقت حرج يتطلب التركيز على الأمن والدفاع أكثر من أي وقت مضى.
أعلن زيلينسكي، الجمعة، قراره التاريخي باختيار بودانوف بدلاً من أندريه يرماك الذي أُقيل وسط فضيحة فساد هزت أروقة السلطة في كييف. وفي منشور له على منصة إكس، قال زيلينسكي: "عقدت اجتماعاً مع كيريلو بودانوف، وعرضت عليه منصب رئيس مكتب رئيس أوكرانيا"، مضيفاً أن أوكرانيا بحاجة إلى التركيز أكثر على الأمن والدفاع في هذه المرحلة الحاسمة.
أوضح الرئيس الأوكراني أن بودانوف يتمتع بخبرة متخصصة في المجالات الأمنية والدفاعية، وأن لديه القوة الكافية لتحقيق النتائج المطلوبة. وفي رد سريع، قبل بودانوف العرض بكلمات تعكس شخصيته القليلة الكلام، قائلاً: "سنواصل القيام بما يجب القيام به - ضرب العدو، والدفاع عن أوكرانيا، والعمل بلا كلل من أجل سلام عادل".
كيريلو بودانوف ليس مجرد موظف حكومي آخر يصعد السلم الوظيفي في كييف. هذا الرجل البالغ من العمر 39 عاماً هو جندي قوات خاصة سابق قليل الكلام، خاض المعارك بنفسه في القرم ودونباس قبل أن يصبح واحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً في أوكرانيا. منذ توليه رئاسة المديرية الرئيسة للاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع، المعروفة اختصاراً بـ HUR، في العام 2020، بنى بودانوف سمعة كرجل لا يخشى المخاطرة.
شارك في المفاوضات الحساسة حول تبادل الأسرى بين أوكرانيا وروسيا، لكن شهرته الحقيقية جاءت من العمليات الجريئة التي يُنسب إليه الفضل في تنفيذها داخل الأراضي الروسية نفسها. هذه العمليات جعلته بطلاً قومياً في نظر الكثير من الأوكرانيين، وأكسبته شعبية واسعة تجاوزت حدود المؤسسة الأمنية لتصل إلى الشارع الأوكراني.
الخطر كان دائماً جزءاً من حياة بودانوف، حيث تعرَّض هو وزوجته لمحاولات اغتيال متكررة، لكنه نجا منها جميعاً، مما زاد من هالة الأسطورة التي تحيط به. والأهم من ذلك، أن استطلاعات الرأي أظهرت أنه يحظى بثقة شعبية أعلى من الرئيس زيلينسكي نفسه، وهي معادلة نادرة في السياسة الأوكرانية جعلت تعيينه خطوة محسوبة بدقة.
لفهم أهمية تعيين بودانوف، لا بد من النظر إلى الرجل الذي حل محله، أندريه يرماك كان، حتى وقت قريب، ثاني أقوى رجل في أوكرانيا بصفته رئيساً لمكتب الرئيس، وكان أيضاً كبير مفاوضي السلام في البلاد، ما جعله وجهاً دبلوماسياً معروفاً على الساحة الدولية. لكن هذه المكانة انهارت، في نوفمبر الماضي، عندما أُقيل وسط فضيحة فساد كبيرة أدت إلى مداهمة منزله.
وتركزت الفضيحة حول تحقيق موسع أجرته الوكالات الأوكرانية لمكافحة الفساد، كشف أن شريكاً تجارياً بارزاً سابقاً للرئيس زيلينسكي كان متورطاً في مخطط لاختلاس حوالي 100 مليون دولار من قطاع الطاقة الأوكراني.
المأزق السياسي الحقيقي ليرماك لم يكن الفضيحة نفسها فقط، بل الاتهامات التي وجهها له خصومه بأنه لعب دوراً رئيساً في محاولة تجريد مكتب مكافحة الفساد NABU من استقلاليته، وذلك تحديداً في الوقت الذي كان فيه المكتب يحقق في قضية فساد الطاقة. هذا التوقيت المشبوه جعل موقف يرماك لا يُحتمل سياسياً.
يأتي تعيين بودانوف محملاً بدلالات عميقة تتجاوز مجرد استبدال مسؤول بآخر. إنه يمثل إعادة ترتيب واضحة للأولويات الأوكرانية نحو الأمن والعمليات العسكرية بدلاً من الدبلوماسية التقليدية. في وقت تواجه فيه أوكرانيا تحديات وجودية، يبدو أن القيادة قررت أن الوقت قد حان لوضع رجل ميداني في قلب صنع القرار، رجل يعرف العدو جيداً لأنه واجهه وجهاً لوجه.
هذا التعيين هو أيضاً رسالة قوة إلى الداخل والخارج، تقول إن أوكرانيا جادة في مواجهتها مع روسيا وأنها لن تتراجع. كما أنه استجابة مباشرة للمطالب الشعبية بتعيين شخصيات نظيفة ومحترمة في المناصب القيادية، خاصة بعد فضائح الفساد التي أضعفت ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
الرجل الذي بنى سمعته على العمليات الجريئة ضد العدو، والذي نجا من محاولات قتله مراراً وتكراراً، أصبح، الآن، في موقع يمكنه من تشكيل السياسة الاستراتيجية لأوكرانيا في أحلك أوقاتها. بودانوف لم يعد مجرد رئيس مخابرات يعمل في الظل، بل أصبح الرجل الثاني في الدولة، والرهان الأكبر لزيلينسكي على أن القوة الميدانية والشعبية يمكن أن تترجم إلى فعالية سياسية في أروقة السلطة.