أفضت الحرب الإيرانية إلى صعود جيل جديد من المتطرّفين يسيطرون على السلطة السياسية والعسكرية، ويُحوّلون طهران إلى دولة عسكرية متشددة يُهيمن عليها الحرس الثوري.
ووفق تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، فإنّ هذا التحول الذي لم يكن متوقعاً، جسّده مشهد بصري صارخ ظهر في 13 مارس/آذار في ميدان انقلاب بطهران، في لوحة إعلانية ضخمة تُظهر المرشد الأعلى المنتخب حديثاً، مجتبى خامنئي.
وبدا المرشد الجديد في الصورة واقفاً في خندق يُصدر تعليماته لقادة الحرس الثوري بإطلاق الصواريخ على "أعدائهم"، مع نص يوحي بأن المهمة "مُوحى بها إلهياً".
يقرّ داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لقسم إيران في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، أن الحرب بالفعل غيّرت النظام في طهران، لكن ليس نحو الأفضل، أو كما كان يرغب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.
"لقد صنعنا واقعاً أسوأ"، يضيف سيترينوفيتش، مشيراً إلى أن واشنطن وتل أبيب كانتا تأملان أن يؤدي اغتيال المرشد السابق علي خامنئي وكبار مسؤوليه إلى فراغ يُملأ بقادة براغماتيين أو يُمهّد لتغيير النظام، بل إن ترامب وصف القيادة الجديدة بعد شهر من بدء الحرب بأنها "أكثر اعتدالاً".
لكن الفراغ ملأه متشددون لا يبدون أي استعداد للتسوية داخلياً أو خارجياً، بحسب "وول ستريت جورنال"، وفي قلب هذا التغيير يقف مجتبى خامنئي، البالغ 56 عاماً، الذي نجا من غارة جوية قتلت والده وعدداً من أفراد أسرته، ثم اختاره رجال الدين مرشداً أعلى.
ولم يظهر مجتبى علناً منذ تعيينه الشهر الماضي، لكن غيابه لم يُبطئ وتيرة التصعيد، فداخلياً، كثّف القادة المحيطون به حملة القمع، من اعتقالات واسعة، وإعدامات متكررة، ونشر ميليشيات أنصار النظام في الشوارع لإرهاب أي تظاهرات محتملة.
أما خارجياً، فقد شنّوا هجمات متكررة وغير مبررة على جيرانهم العرب، وسيطروا فعلياً على مضيق هرمز، الممر لـ 20% من إمدادات النفط العالمية، مستخدمينه أداة ضغط استراتيجية جديدة.
وفي المحادثات "الفاشلة" التي جرت نهاية الأسبوع الماضي في إسلام آباد مع الوفد الأمريكي، ضم الجانب الإيراني شخصيات متشددة مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وعلي باقري كاني، المعروف بمعارضته الشديدة لأي حوار مع الغرب.
يعتمد مجتبى خامنئي على شبكة سرية موثوقة تُعرف بـ"حلقة الحبيب"، تضم قدامى محاربي حرب العراق من كتيبة الحبيب التابعة للحرس الثوري، المعروفة باستقطاب المتطرفين.
ووصفت مشاريع قوانين الكونغرس الأمريكي تلك الحلقة بأنها "إحدى أعلى شبكات الأمن والاستخبارات غير الرسمية التي ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان وشاركت في أنشطة إرهابية".
كما تكشف التعيينات الجديدة عمق هذا التطرف؛ إذ إن محمد باقر ذو القدر، رئيس جهاز الأمن القومي الجديد، متهم بقتل مهندس بترول أمريكي قبل عقود واغتيال شرطيين، ومساهم في تأسيس فيلق القدس وجماعات شبه عسكرية متخصصة في العنف ضد المعارضين.
أما أحمد وحيدي، القائد العام الجديد للحرس الثوري، فهو متهم بالضلوع في تفجير مركز الجالية اليهودية في بوينس آيرس عام 1994 الذي أودى بحياة 85 شخصاً، وأشرف على قمع احتجاجات حقوق المرأة عام 2022.
فيما محسن رضائي، المستشار العسكري الجديد لخامنئي، متهم بالمشاركة في التفجير نفسه، ونفّذ في الثمانينيات استراتيجية أطالت حرب العراق وقتلت أكثر من 250 ألف شخص. وفي تصريح متطرف قال مؤخراً: "لن يكون الرد بعد الآن بالعين بالعين، بل بالرأس بالعين واليد والقدم بالعين".
لم يكن هذا الصعود مفاجئاً، فمنذ عام 2002، بدأ مجتبى خامنئي ودائرته إقصاء الإصلاحيين تدريجياً، وساعدوا في انتصارات محمود أحمدي نجاد عامي 2005 و2009؛ ما أدى إلى اتهامات بـ"انقلاب انتخابي" أشعل احتجاجات رددت شعار "مُت يا مجتبى".
ويؤكد سعيد غولكار، الخبير في أجهزة الأمن الإيرانية بجامعة تينيسي، أن "المجموعة الأكثر تطرفاً في الحرس الثوري تتولى زمام الأمور؛ ما يجعل استمرار الصراع أكثر احتمالاً".