logo
العالم

حدود رخوة ومعركة مفتوحة.. السيطرة على الأراضي تعمق الحرب الروسية

دبابة للجيش الأوكرانيالمصدر: (أ ف ب)

بين جبهة تتحرك ببطء، ومفاوضات تتقدم بحذر، بدأت ملامح جديدة للحرب الروسية-الأوكرانية تتشكل معادلة رمادية تجعل من الأراضي المتنازع عليها ورقة ضغط دائمة، لا نهاية لها على المدى المنظور.

وتسيطر  روسيا حالياً على نحو 116 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الأوكرانية، بما يعادل قرابة خمس مساحة البلاد، ورغم بطء التقدم الروسي خلال الأسابيع الأخيرة من 2025 وبداية 2026، إلا أن موسكو تواصل ضغطها الهجومي، خاصة على الجبهة الشرقية التي لا تزال مسرحاً للاشتباكات الأكثر كثافة.

وفي المقابل، تواجه أوكرانيا استنزافًا عسكريًا واقتصاديًا متزايدًا، وسط خسائر بشرية كبيرة وضربات موجعة للبنية التحتية، خاصة في قطاع الطاقة الذي تراجعت قدرته التوليدية إلى أقل من النصف مقارنة بما قبل الحرب.

وفي السياق ذاته، تتحرك المفاوضات بوتيرة لا تعكس سخونة الجبهة، خاصة بعد طرح كييف خطة سلام موسعة من 20 نقطة، وقالت إنها حظيت بتوافق واسع مع شركائها الغربيين، بينما تبقى موسكو بعيدة عن هذه الصيغة، متمسكة بشروط تتجاوز أوكرانيا ذاتها لتطال مستقبل حلف الناتو وترتيبات الأمن الأوروبي.

ورغم ذلك، تبقى العقدة الأساسية في ملف الأراضي والضمانات الأمنية، خاصة وأن موسكو تطالب بتنازلات إقليمية واضحة في شرق أوكرانيا، وكييف ترفض أي تسوية تنتقص من سيادتها أو تغلق الباب أمام خياراتها الاستراتيجية.

وأكد الخبراء أن الصراع بين موسكو وكييف تجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية، ليتحول إلى معركة مفتوحة حول مفهوم الحدود والسيادة، في ظل تراجع فاعلية النظام الدولي وتزايد استخدام الجغرافيا كأداة ضغط سياسي واستراتيجي.

وأضاف الخبراء لـ"إرم نيوز" أن الحدود المتحركة والرخوة باتت تمثل عنصراً قوة في إدارة الصراع، حيث تسعى روسيا إلى إبقاء حالة عدم الاستقرار قائمة، بما يمنحها قدرة مستمرة على الضغط على أوكرانيا والدول الأوروبية، مقابل غياب أفق سياسي واضح ينهي الحرب.

وكشف الخبراء أن الدعم الأمريكي الحالي لا يغير من طبيعة المواجهة، التي تتجه نحو استنزاف طويل الأمد، يجعل من الأراضي محل نزاع دائم، بينما يدفع المواطن الأوكراني ثمن صراع مفتوح لا تبدو نهايته قريبة.

"فوضى سياسية"

ويرى فولوديمير شوماكوف، الدبلوماسي  الأوكراني السابق، أن المرحلة الحالية من رئاسة دونالد ترامب تحمل مؤشرات مقلقة على مستوى النظام الدولي، معتبرًا أن ضعف الاتحاد الأوروبي وتراجع دور الأمم المتحدة انعكس مباشرة على حالة الاستقرار العالمي.

وأشار في تصريحات لـ"إرم نيوز" إلى أن تراجع الدور الأمريكي داخل المؤسسات الدولية ومنها الناتو، أسهم في خلق حالة من الفوضى السياسية وعدم اليقين.

أخبار ذات علاقة

جندي أوكراني يستخدم طائرة مسيرة

بين الاستنزاف و"الذكاء العسكري".. الحرب الأوكرانية في "مفترق طرق"

وأكد شوماكوف أن موقف ترامب من الحرب في أوكرانيا لم يتسم بدعم حقيقي لكييف، وأن سياساته اتجهت نحو السعي لتفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في وقت ترفض فيه أوكرانيا أي تسوية تقوم على التنازل عن أراضيها.

ولفت الدبلوماسي الأوكراني السابق إلى أن الضغوط التي مورست على كييف للتخلي عن إقليم الدونباس تمثل طرحاً مرفوضاً، وأن أي تنازل عن الأراضي لا يمكن أن يتم إلا عبر استفتاء دستوري.

وأكد شوماكوف تمسك أوكرانيا بوحدة أراضيها، مشددًا على أن بقاء القوات الروسية في الدونباس لا يمنح أي شرعية دولية، ولن يحظَ باعتراف عالمي.

وأضاف أن الدعم الأمريكي لأوكرانيا بات يقتصر في المرحلة الراهنة على بيع السلاح، معتبرًا أن هذا التحول يمثل تراجعاً عن التزامات سابقة، خاصة في ظل الضمانات التي قدمت لأوكرانيا في ملفات تتعلق بأمنها الاستراتيجي.

وانتقد الدبلوماسي الأوكراني السياسات الأمريكية الحالية، معتبرًا أنها تضعف أسس القانون الدولي، سواء في الحرب على أوكرانيا أو في ملفاتٍ أخرى، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تحمل تطورات مهمة لكنها تبقى محاطة بمخاطر كبيرة.

وأشار شوماكوف إلى أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح يعمق من حالة الاستنزاف المتبادل، لافتًا إلى أن كييف ترى المعركة وجودية تتعلق بمفهوم الدولة وحدود السيادة، وليس مجرد نزاع جغرافي عابر.

"حالة رمادية"

من جانبه، اعتبر د. آصف ملحم، مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث والدراسات في روسيا، أن الصراعات الدولية باتت تستخدم كأدوات ضغط سياسية واستراتيجية، مشيرًا إلى أن أوكرانيا تحولت إلى نموذج واضح لحروب الاستنزاف طويلة الأمد، خاصة مع ارتباطها المباشر بأمن القارة الأوروبية.

وفي حديث لـ"إرم نيوز"، كشف ملحم أن الدول الأوروبية وجدت نفسها منخرطة بشكل غير مباشر في الصراع، وهو ما جعل أوكرانيا ساحة استنزاف مستمرة، مؤكدًا أن الحروب الحديثة لم تعد تهدف إلى الحسم الكامل، بل إلى إنهاك الخصم وإبقائه تحت الضغط.

وأشار مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث والدراسات في روسيا إلى أن الحدود الرخوة والمتغيرة بين روسيا وأوكرانيا تمثل ورقة قوة استراتيجية بيد موسكو، موضحًا أن هذه الحدود تعكس هشاشة أمنية يمكن توظيفها سياسيًا، وهو ما يمنح روسيا قدرة دائمة على الضغط على الدول الأوروبية.

وأضاف المحلل السياسي أن استمرار هذا الوضع يجعل من الصعب الحديث عن أوكرانيا كدولة مستقرة وموحدة في المدى المنظور، وأن مستقبل الصراع مرهون بطبيعة هذه الحدود، معتبرًا أن إنهاء المواجهة دون تحقيق مصالح روسيا يعد طرحاً غير واقعي.

أخبار ذات علاقة

لافروف

روسيا: مقترحات ترامب هي الأقرب لحل الأزمة الأوكرانية

وأكد د. آصف ملحم أن المواطن الأوكراني هو الطرف الأكثر تضررًا في ظل صراع مفتوح يحول دون تحقيق الاستقرار الذي يسعى إليه أي مجتمع، وهو العيش والعمل في بيئة أمنية مستقرة.

وأوضح ملحم أن بقاء أوكرانيا في حالة رمادية، لا حرب شاملة، ولا سلام حاسما، يخدم توازنات دولية معقدة، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة تفاوض مستمرة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC