تحوّل الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى معركة استنزاف طويلة الأمد، تُقاس بمدى قدرة كل طرف على تطوير منظومات قتالية ذكية وتحويل التكنولوجيا إلى سلاح فعلي على الأرض.
وتعتمد أوكرانيا في هذه المرحلة على توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ تسعى لأن تصبح نصف الطائرات المسيرة التي تم شراؤها في 2025 مزودة بتوجيه ذكي، مقارنة بنسبة 0.5% فقط في السابق، مع إمكانية نشر نحو مليون طائرة مسيرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير بيانات أخرى إلى أن بيئة التدريب الأوكرانية تعتمد على أنظمة بيانات ضخمة، مثل نظام "Delta"، الذي يوفر تدفقات يومية من الفيديو والصور والصوت والنص، وتُستخدم هذه البيانات في تدريب الذكاء الاصطناعي عبر بيئات آمنة تتيح للشركات الخاصة إنشاء مجموعات بيانات دون خروج المعلومات من الشبكات الحكومية.
وفي صيف 2025، استخدمت أوكرانيا تكنولوجيا "السرب" في أكثر من 100 عملية، حيث تعمل مجموعات من الطائرات المسيرة كوحدة متماسكة، وتتراوح أحجام الأسراب بين ثلاث إلى ثماني طائرات، وقد تم اختبار برامج تصل إلى 25 طائرة.
وأعلن مسؤولون أوكرانيون أن المزيد من الطائرات المستقلة سيصل إلى ساحة المعركة خلال 2025، في خطوة تمهد لتوسيع استخدام الأسراب على نطاق أوسع.
كما شهدت ساحات القتال إدخال روبوتات أرضية مسلحة، إذ أعلن الجيش الأوكراني في أواخر 2025 عن نشر طائرة أرضية مسلحة مزودة برشاش لحماية خط المواجهة لمدة ستة أسابيع.
كما تعتمد أوكرانيا في تطوير إدارة مواردها العسكرية على منصة "Brave1"، التي تتيح للألوية تبادل نقاط مقابل طائرات مسيرة أو روبوتات أو أنظمة حرب إلكترونية، ما يقلص الوقت اللازم لتوقيع العقود من أشهر إلى أسبوعين، وفق تصريحات رئيس المنصة أندري هريتسينيوك، الذي وصف هذا التحول بأنه "ثوري حتى وفق معايير الناتو".
في المقابل، تسعى روسيا إلى تحقيق ميزة استراتيجية في 2026 عبر تكثيف الاستنزاف، معتمدة على خطط لتعديل جداول القوات والإمدادات دون تغيير الهدف النهائي الذي يستهدف أوكرانيا بالكامل، وفق ما نقلته مصادر روسية.
وفي هذا الإطار، تهدف موسكو إلى تدمير القوات الأوكرانية عبر اشتباكات أصغر ومتعددة، لا تهدف إلى اختراقات كبيرة، بل إلى تشتيت القوة الأوكرانية وإجبارها على تحمل خسائر لا يمكن تعويضها بسبب صغر حجم جيشها.
وفي الوقت نفسه، توسع روسيا إنتاجها من الطائرات المسيرة من نوع "شاهد"، حيث تقدر قدراتها الحالية بنحو 30 ألف طائرة سنويًا، مع إمكانية مضاعفة هذا الرقم بحلول 2026.
ورغم هذا التوسع، فإن هذه الخطوة لم تمنعها من تكبد خسائر فادحة في المعدات الثقيلة، إذ فقد الجيش الروسي أكثر من 3 آلاف دبابة منذ فبراير/شباط 2022، وهو رقم يتجاوز مخزونه النشط قبل الحرب.
وأعلن رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية أن روسيا حققت هدفها بتجنيد 403 آلاف شخص في 2025، وتخطط لزيادة التعبئة إلى 409 آلاف في 2026.
وفي المقابل، تكشف أرقام داخلية عن ضعف الحوافز في التجنيد، فقد انخفضت عقود الجنود الجدد في 2025 إلى أقل من نصف مستواها مقارنة بالفترة نفسها في 2024، مع تضاعف حالات الهروب إلى نحو 70 ألف حالة، ما يعادل نحو 10% من القوة في أوكرانيا.
من الجانب الأوكراني، قال القائد العسكري أولكساندر سيرسكي إن الجيش الروسي فشل في 2025 في تحقيق مكاسب أرضية ذات قيمة، ما يبرر استراتيجية أوكرانيا في إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الروسية.
وأشار إلى أن خسائر قواته انخفضت بنسبة 13% في 2025 مقارنة بعام 2024، في حين أكد أن القوات الأوكرانية كانت قادرة على قتل وجرح الجنود الروس أسرع من قدرة موسكو على التعويض.
في المقابل، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن القوات الروسية استولت على "المبادرة الاستراتيجية"، وأنها تحقق تقدمًا عبر كامل خط الاتصال، مع وعود بمكاسب أكبر بنهاية العام.
وقال رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار د. عماد أبو الرب إن "الصراع بين روسيا وأوكرانيا يشهد تحولًا تدريجيًا من المواجهة العسكرية المباشرة إلى ما يمكن وصفه بـمعركة الذكاء العسكري".
وذكر في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز" أن التفوق في مجالات الاستخبارات والحرب الإلكترونية وتنفيذ الضربات الدقيقة أصبح أكثر تأثيرًا من الاشتباك التقليدي، وهو ما دفع الطرفين إلى التركيز المكثف على جمع المعلومات وتنفيذ الهجمات بأقل كلفة ممكنة.
وأشار إلى أن التوسع المتزايد في استخدام الطائرات المسيرة من جانب الطرفين يعكس هذا التحول في طبيعة القتال، حيث يسعى كل طرف إلى تقليل الخسائر البشرية والمادية عبر الاعتماد على المعلومات الدقيقة والإدارة الفعالة للموارد العسكرية.
وأضاف أبو الرب أن أوكرانيا تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الاستخباراتي، خاصة أن هذا الدعم مكن كييف من الصمود، وأتاح لها معرفة مواقع تموضع وتحركات القوات الروسية وتحديد الأهداف العسكرية بدقة عالية.
وأوضح أن روسيا تمتلك قدرات استخباراتية واسعة، لافتًا إلى أن توازن هذه القدرات بين الطرفين كان أحد الأسباب الرئيسة في غياب الحسم العسكري حتى الآن، وهو ما جعل الصمود وإدارة الاستنزاف القائم العنوان الأبرز للمرحلة الحالية.
وأشار إلى أن هذا الواقع يحول دون تمكن روسيا من السيطرة على ما تبقى من الأراضي الأوكرانية، كما يمنع أوكرانيا من استعادة مناطقها المحتلة، ما يؤكد أن التفوق الاستخباراتي والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة باتت أدوات أساسية في إدارة الصراع.
وقال أبو الرب إن استمرار هذا النمط من القتال يعكس حرب استنزاف مفتوحة، معتبرًا أن التوصل إلى حل سياسي يظل مرهونًا بتوفر أرضية مشتركة تسمح بدور فاعل للوسيط الأمريكي المقبول من الطرفين، في ظل عجز أي طرف عن تحقيق نصر ميداني.
من جانبه، قال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية د. نبيل رشوان إن أوكرانيا تحاول تعويض النقص العددي في الجنود ونقص المعدات من خلال استخدام وسائل أكثر حداثة ومرونة في التعامل مع الهجمات الروسية، خاصة في بعض مناطق القتال النشطة.
وأضاف رشوان في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز" أن الصراع دخل مرحلة استنزاف طويلة الأمد من الدرجة الأولى، لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي لكلا الطرفين، في ظل استمرار العمليات دون أفق حسم واضح.
وأوضح أن روسيا وأوكرانيا تتعرضان "لاستنزاف ممتد"، موضحًا أن الجانب الاقتصادي بات عنصرًا ضاغطًا بقوة، سواء عبر العقوبات أو استهداف خطوط الإمداد وملاحقة ما يُعرف بـ"أسطول الظل الروسي"، وهو ما يعكس شكلًا من أشكال الاستنزاف غير المباشر الموجه ضد موسكو.
وأضاف رشوان أن هذا المسار يفرض أعباء متزايدة على الاقتصاد الروسي بالتوازي مع استمرار القتال.
وأشار إلى أن أوكرانيا تحاول التكيف مع واقعها العسكري من خلال استخدام الإمكانات المتاحة لديها بذكاء شديد، خاصة في ظل الفارق العددي والتسليحي مقارنة بروسيا، في وقت تواجه فيه موسكو بدورها حالة إرهاق متزايدة نتيجة طول مدة الحرب وتعدد جبهات الضغط.
ولفت إلى أن هذا الإرهاق لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الداخل الروسي مع تصاعد التحديات الاقتصادية وصعوبة اتخاذ قرارات تصعيدية كبرى.
واعتبر رشوان أن طول أمد الحرب يعكس حجم الاستنزاف الكبير الذي يتعرض له الطرفان، مشيرًا إلى أن غياب الحسم يدفع روسيا إلى محاولة كسب الوقت وفرض تهدئة مؤقتة، بما يسمح بإعادة ترتيب الأوراق ميدانيًا وسياسيًا.
وتوقع أن المفاوضات لا تزال بعيدة المنال، لكن الوصول إلى تسوية يظل مرتبطًا بوجود مساحة اتفاق مشترك تسمح بوقف مسار الاستنزاف المفتوح، الذي بات يرهق روسيا وأوكرانيا دون تحقيق مكاسب حاسمة.