رغم أنها جملة بسيطة ومباشرة، لكنها أربكت المشهد السياسي الفرنسي بأكمله، فخلال زيارة للمدرسة الفرنسية-القبرصية في نيقوسيا، رد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على سؤال أحد التلاميذ بعبارة قد تُعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة: "لم أمارس السياسة قبل الرئاسة، ولن أمارسها بعدها".
لم يكن السؤال سياسياً بامتياز، حين سأل أحد الطلاب ماكرون متى أراد أن يصبح رئيساً، وإن كان لا يزال مهتماً بخدمة فرنسا، فأجاب ماكرون بسرد شخصي يكشف عن دوافعه الحقيقية: "لم أكن أحب السياسة، بل كنت أحب فرنسا وأهتم بحياتها. قلت لنفسي: يمكن تغيير الأمور بشكل أسرع وأقوى، فأطلقت حركة سياسية ووصلت إلى الرئاسة. لكنها كانت دائماً قضية شغف، لا مهنة".
وحين ذكّر بأصعب ما في المرحلة الأخيرة من ولايته المزدوجة، قال بصدق لافت: "الأصعب بعد 9 سنوات هو أن تحافظ على ما أنجزته جيداً وتمضي قُدُماً، لكن في بعض الأحيان عليك إعادة النظر فيما لم تنجح فيه".
الخبر الذي انتشر سريعاً استدعى توضيحاً فورياً من المحيطين بالرئيس، مصدر قريب من ماكرون أفاد لمجلة "بوليتيكو" بأن الأمر يستدعي "عدم الاندفاع في التأويل"، موضحاً أن ماكرون حين يقول "لن أمارس السياسة"، قد يكون يقصد تحديداً "الأحزاب السياسية"، لا الابتعاد عن الشأن العام بالكامل، موضحا أن انتهاء الولاية عام 2027 لا يعني بالضرورة أن الرجل سيختفي من المشهد.
وتستحضر هذه التكهنات ما أشار إليه ماكرون نفسه صيف 2025 بأن الأمر لن ينتهى بعد 2027، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة: دور دولي، أو منصب أوروبي، أو حضور فكري وعام بعيداً عن صناديق الاقتراع، وفق صحيفة "لافوا دو نور" الفرنسية.
لم يتأخر المنتقدون، نيكولا دوبون إينيون، المرشح الرئاسي السابق وزعيم حزب "انهضي فرنسا"، ردّ فوراً حين سُئل عمّا إذا كان يريد استمرار ماكرون بالقول: "أهلاً وسهلاً بالرحيل! لقد ألحق أضراراً جسيمة بفرنسا".
ثم تحوّل ديبون إينيون إلى طرح أجندته: "السؤال الحقيقي الآن هو من سيخلفه، وهل سنستعيد حريتنا لحل مشاكلنا في الزراعة والصناعة والأمن والهجرة. المسألة لم تعد في انتقاد ماكرون، بل في اقتراح طريق آخر جاد ومختلف".
وسبق لهذا النائب الفرنسي أن وصف ماكرون بـ"المُفرّط في فرنسا" الذي "يستحق العزل"، في ما يعكس عمق الشرخ بين مسارَي الرجلَين منذ سنوات.
في عمر الثامنة والأربعين، يقف ماكرون أمام آخر سنة في الإليزيه، بعد رحلة لافتة من مدير بنك إلى مستشار رئاسي إلى مؤسس حركة "إلى الأمام" التي أوصلته في 2017 إلى قصر الإليزيه في سابقة جمهورية فريدة.
واليوم، حين يقول "لم أكن سياسياً قبل ولن أكون بعدها"، يعود إلى الرواية التأسيسية التي بنى عليها خطابه منذ البداية: أنه رجل أفكار لا رجل حزب.
لكن الفارق الآن هو أن هذه الرواية تُقال في سياق ساخن: السباق الرئاسي 2027 يشتعل، وتحالفات تتشكل، وكل فريق يحتاج لمعرفة ما إذا كان سيكون أمامه ظل ماكرون ينافس أو حليف ماكرون يدعم.
فالجملة القصيرة التي نطق بها أمام أطفال مدرسة في نيقوسيا، قد تحتاج تفسيراً أطول بكثير مما يبدو.