مصدران بالحكومة الباكستانية: الوفد الإيراني غادر باكستان
تحوّلت العاصمة الباكستانية إسلام آباد، خلال شهر أبريل/ نيسان الجاري، إلى مركز دبلوماسي حاسم في محاولة إنهاء الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران التي اندلعت في نهاية فبراير/ شباط الماضي، وشملت ضربات مكثفة وإغلاقًا إيرانيًا لمضيق هرمز، ما أثار أزمة طاقة عالمية.
وبعد إعلان مفاجئ من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لوقف إطلاق النار، عقدت الجولة الأولى من المفاوضات بين 11 و13 أبريل، لتكون أول محادثات مباشرة عالية المستوى بين الجانبين منذ عقود، وأعلى مستوى تفاوض منذ 1979، حيث استمرت أكثر من 20 ساعة في فندق سيرينا.
وقاد الوفد الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس، مع المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بينما ترأس الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. أدارت باكستان الوساطة بقيادة رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير.
ركزت المحادثات على قضايا جوهرية، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، حيث طالب الأمريكيون بـ"تصفير التخصيب" وتسليم نحو 900 رطل من اليورانيوم عالي التخصيب، بينما ردّ الإيرانيون بطلب تعويضات تصل إلى 27 مليار دولار عن الخسائر، مع مباحثات شاقة أخرى حول إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وآمن.
وانتهت الجولة دون اتفاق نهائي، مع تبادل اتهامات بالفشل، إذ أعلن فانس أن إيران "رفضت قبول شروطنا"، بينما اتهمت طهران واشنطن بالتصعيد والإصرار على شروط تعجيزية. ورغم ذلك سُجل تقدم جزئي في بعض البنود التقنية، لكن الخلافات الأساسية حول النووي والأمن الإقليمي حالت دون الاختراق.
بعد الجولة الأولى مباشرة، دخل المسار في تعثر واضح، إذ فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية ابتداءً من 13 أبريل، ما أدى إلى تحويل مسار عشرات السفن وتصعيد التوتر في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية.
وردّت إيران بتعزيز سيطرتها على المضيق عبر زوارق سريعة وزرع ألغام إضافية، ما خلق "حصارًا مزدوجًا" أثار أزمة وقود عالمية وارتفاع أسعار البنزين.
وعلى وقع هذا التوتر، مدّد ترامب وقف إطلاق النار، الذي أُعلن في 7-8 أبريل لأسبوعين، مرات، لكن التصعيد العسكري جعل أي تقدم دبلوماسي هشًا.
وكانت الجولة الثانية مقررة أصلًا في 22 أبريل، لكنّها تأجلت بسبب رفض إيراني صريح للمشاركة المباشرة طالما استمر الحصار الأمريكي، فيما أكدت وسائل إعلام إيرانية أن وزير الخارجية عباس عراقجي لن يلتقي المسؤولين الأمريكيين مباشرة، وأن زيارته إلى إسلام آباد تقتصر على التشاور مع الباكستانيين حول "الوساطة لاستعادة السلام" و"القضايا الإقليمية".
ووصل عراقجي بالفعل إلى إسلام آباد يوم الجمعة، لكن الجانب الإيراني أبلغ الوسطاء الباكستانيين برسالة واضحة: "لا لقاء مع الأمريكيين ولا مفاوضات نووية مباشرة".
في المقابل، أعلن البيت الأبيض إرسال مبعوثي ترامب ستيف يتكوف وجاريد كوشنر، بدلًا من فانس، إلى إسلام آباد يوم السبت، مع إبقاء فانس على أهبة الاستعداد.
ووصف مسؤولون أمريكيون هذا التراجع في المستوى بأنه "بروتوكول دبلوماسي" بعد فشل الجولة الأولى، ووسيلة لتقليل التوقعات وتسهيل إدارة الفشل الإعلامي إذا انسحبت إيران، بحسب ما نقلت عنهم "نيويورك تايمز"، لتصبح المحادثات غير مباشرة تمامًا، ينقل الباكستانيون الرسائل بين الجانبين، مع تحضيرات لجولة ثالثة محتملة لكنها غير مؤكدة.
حدد تقرير لشبكة "سي إن إن" أربعة أسباب لتعثر مسار مفاوضات إسلام آباد، أولها هو الثقة المفقودة والرسائل المتضاربة، فقد شهدت الأسابيع السابقة روايات متضاربة، كما حدث في مارس/ آذار الماضي، عندما أعلن ترامب "محادثات مثمرة" ونفت إيران أي اتصال مباشر.
وتكرّر هذا النمط في إسلام آباد، حيث يرى كل جانب الآخر غير ملتزم، فإيران التي تعتبر نفسها في حالة حرب مع أمريكا منذ 47 عامًا، ترفض "التفاوض تحت التهديد" أو الحصار، أما الإدارة الأمريكية فتؤكد أن "طهران تحت ضغط الوقت" بسبب الخسائر الاقتصادية.
ويتعلق السبب الثاني بالخلافات غير القابلة للتوفيق، إذ تتمسّك إيران بسيادتها النووية وتطالب بتعويضات ورفع عقوبات، بينما تصر واشنطن على "تصفير التخصيب" ومنع أي قدرات نووية عسكرية.
كذلك تأتي قضية مضيق هرمز مركزية في التعثر، فقد جعلت إيران إعادة فتحه مشروطة برفع الحصار، بينما يرى ترامب أن "السيطرة الكاملة" على المضيق تعطيه اليد العليا.
أما السبب الثالث، وفق "سي إن إن"، فيتعلق بالسياسة الداخلية والضغوط الزمنية، وبينما ينفي ترامب أي ضغط انتخابي، لكنه يمدد الهدنة مرارًا ويصرح "لديّ متسع من الوقت، لكن إيران لا تملك ذلك". في المقابل، يبدو أن طهران مستعدة "لدفع أي ثمن" مستندة إلى تاريخها في الصمود.
ولا يُستثنى دور الوسيط الباكستاني من الفشل، كعامل رابع، فإسلام آباد وإن نجحت في ترتيب الجولة الأولى رغم التعقيدات الأمنية، لكن قدرتها محدودة أمام الخلافات الاستراتيجية العميقة.
وفي الزيارة الحالية لعراقجي التي تركّز على التنسيق الإقليمي مع وسطاء آخرين مثل روسيا وعُمان أيضًا، إشارة إلى أن إسلام آباد أصبحت قناة غير مباشرة فقط.
أدى تعثر المسار إلى استمرار الأزمة الاقتصادية العالمية، من ارتفاع أسعار النفط، وخسائر يومية لإيران، وتأثيرات على الشحن البحري. أما إقليميًا، فقد استمر تبادل الهجمات بين إسرائيل وحزب الله رغم الهدنة، ما يهدد عودة الحرب بانفجار أوسع.
ويعكس الوضع هشاشة الدبلوماسية أمام التصعيد العسكري، حيث يراهن كل طرف على "الإرادة السياسية" للآخر، فيما تبقى التوقعات متشائمة على المدى القصير، فالمحادثات غير المباشرة قد تؤدي إلى تمديد آخر للهدنة أو اتفاق مرحلي محدود، مثل رفع جزئي للحصار مقابل فتح محدود لهرمز، لكن أي حل شامل يتطلب تنازلات كبيرة "مستبعدة"، بحسب "نيويورك تايمز".