ترامب: إيران لا تملك شيئا وليست لديها أوراق تفاوضية وأنا مفاوض بارع
في مشهد بالغ الدلالة، تجمّع آلاف المؤيدين أمام كاتدرائية ميلانو، يوم السبت الماضي، تحت راية "وطنيون من أجل أوروبا"، وشعار "بلا خوف: في أوروبا أسياد في وطننا".
لكن الأهم من الحشد هو ما ردده المتظاهرون من هتافات تدعو إلى إعادة المهاجرين، في إشارة إلى سياسة طرد جماعي للأجانب أو الأشخاص من أصل أجنبي.
فهل تحوّل هذا الشعار من استفزاز يميني متطرف إلى سياسة قابلة للتطبيق في قلب الاتحاد الأوروبي؟
جاء التجمع بعد أسبوع واحد من الهزيمة المدوية لفيكتور أوربان في المجر، وهي الضربة الأكثر إيلاماً للتيار اليميني المتطرف الأوروبي منذ سنوات.
وغاب أوربان عن الملتقى، لكن حضوره كان روحيًا.
وأشار سكرتير حزب الرابطة الإيطالي اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، في بداية خطابه، إلى هزيمة أوربان، وقال: "عزيزي فيكتور أوربان، لقد دافعت عن الحدود وحاربت ضد مهربي البشر ومهربي الأسلحة. فلنواصل جميعًا هذا النضال معًا، من أجل الحرية والشرعية"، بحسب صحيفة "لوموند".
بدوره، خطب رئيس التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا بالإيطالية، وأطلق رسالة موجهة مباشرة لعام 2027: "جئت إلى ميلانو لأطمئنكم: انتصارنا في الانتخابات الرئاسية القادمة بات قريبًا. ونحن نستعد لوداع ماكرون (إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي)".
وأضاف بارديلا، بحسب ما ذكرت صحيفة "سود ويست": "مع مارين لوبان نخوض معركة وجودية لنعيد إلى فرنسا عظمتها".
وأكد أن انتصار التجمع الوطني "لن يكون انتصارًا فرنسيًا فحسب، بل انتصارًا لجميع أمم أوروبا".
أما هولندي خيرت فيلدرز لم يكن أقل حدة، وفقًا لراديو فرنسا الدولي، حيث قال: "شعبنا، السكان الأصليون لأوروبا، ضُرب بتسونامي من الهجرة الجماعية، الهجرة غير الشرعية، القادمة أساسًا من البلدان الإسلامية".
وبينما يهتف اليمين في ميلانو، تكشف الأرقام في فرنسا عن تحول ديموغرافي حقيقي.
ووصف مدير مرصد الهجرة والديموغرافيا، نيكولاس بوفرو-مونتي، حجم هذا التحول، في مقابلة مع "أتلانتيكو"، بأنه "انبعاث غير مسبوق في التاريخ".
ويستند الباحث إلى بيانات المعهد الوطني للإحصاء: في العام 2024 وحده، ارتفع عدد المهاجرين المُحصَيْن في فرنسا بمقدار 434 ألف شخص.
وهذا الرقم يساوي ثلاثة أضعاف المتوسط السنوي لعقد الألفين، وخمسة وعشرين ضعف متوسط التسعينات.
وكشف تقرير المديرية العامة للأجانب في فرنسا أن 4.5 مليون تصريح إقامة كانت سارية في العام 2025، وهو مستوى غير مسبوق بزيادة 3%، فيما سجّلت الاعترافات بحق اللجوء قفزة بنسبة 12%، لتتجاوز نسبة القبول الإجمالية 52% للمرة الأولى.
لكن الأرقام الأكثر صدمة جاءت من استطلاع "إيفوب": 60% من الفرنسيين يعتقدون أنهم يشهدون "استبدال السكان الفرنسيين بسكان غير أوروبيين يأتون أساسًا من القارة الأفريقية".
ويرى 66% من المستطلَعين أن هذه الظاهرة "سيئة".
ويعلق بوفرو-مونتي على هذه النسب قائلًا: "أكثر من 30% من المواليد في فرنسا اليوم هم من أب أو أم وُلدا خارج الاتحاد الأوروبي. هذا مستوى غير مسبوق تاريخيًا".
وفي اليوم نفسه الذي كان فيه بارديلا يخطب في ميلانو، كانت إسبانيا تُشعل فتيل أزمة أوروبية جديدة، فقد أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عن تسوية استثنائية لأوضاع نحو 800 ألف مهاجر غير نظامي عبر مرسوم ملكي متجاوزًا البرلمان، كما أشارت صحيفة "لوجورنال دو ديمانش".
الشرط الوحيد: إثبات الإقامة في إسبانيا لخمسة أشهر قبل يناير/كانون الثاني عام 2026، دون الحاجة لعقد عمل.
ويسخر بوفرو-مونتي من الضمانة الوحيدة المضافة في اللحظة الأخيرة: "شهادة حسن السلوك من بلد المنشأ. كيف نضمن الحصول عليها من دول متعثرة؟".
وقد تكون التداعيات على فرنسا فورية بحكم فضاء الشنغن، ورغم أن البطاقة الإسبانية لا تمنح الإقامة في فرنسا، لكنها تتيح التنقل الحر "فرنسا ستكون البلد الأول المتضرر"، يجزم بوفرو-مونتي، مُستندًا إلى حجة العامل الفرنسي الجاذب: اللغة، والجاليات الكبيرة المقيمة، وقبل كل شيء مبدأ الإيواء غير المشروط الفريد في أوروبا.
وقد ذهب عمدة نيس إيريك سيوتي أبعد من ذلك بمطالبة ماكرون بـ"إعادة إغلاق الحدود مع إسبانيا".
المفارقة أن مصطلح "إعادة المهاجرين" الذي يُهتف به في ميلانو ومفهوم "استبدال السكان" الذي يتحاشاه بوفرو-مونتي في كتابه "الهجرة، الأساطير والحقائق"، يلتقيان في خلاصة واحدة، هي أن التحول الديموغرافي الجاري ليس وهمًا، لكن الخلاف يدور حول التسمية والحل.
ويشرح بوفرو-مونتي لـ"أتلانتيكو" رفضه للمصطلح، بالقول: "لمصطلح الاستبدال عيوب عديدة، لكن الصدى الذي يجده في الرأي العام يعكس تجارب ملموسة يعيشها كثير من الفرنسيين الذين يرون تحول مدنهم وأحيائهم ومدارسهم".
في المقابل، يطرح بدائل عملية: إنهاء مبدأ الإيواء غير المشروط، مراجعة اتفاقية الهجرة مع الجزائر، تشديد شروط تجديد تصاريح الإقامة.
التجمع في ميلانو وتصاعد الأرقام في فرنسا يكشفان عن تحول أعمق: فكرة "إعادة الهجرة" لم تعد مقتصرة على ميادين المحتجين، بل تتسرب إلى نقاشات السياسات العامة، وفي مكان ما بين الهتاف والبرنامج الانتخابي، تتشكل ملامح المعركة السياسية الأوروبية الكبرى قبل عام 2027.
والسؤال لم يعد: هل ستطرح "إعادة الهجرة" على طاولة القرار؟ بل أصبح: من سيُطبقها أولًا؟ وبأي أدوات؟