نيويورك تايمز: وفد إيراني يتوجه إلى إسلام آباد غداً الثلاثاء لخوض جولة جديدة من المحادثات
غاب فيكتور أوربان عن قمة "وطنيون من أجل أوروبا" في ميلانو الإيطالية، بعد أسبوع واحد من سقوطه الانتخابي المدوي، حيث كان المقعد الفارغ أبلغ من أي خطاب.
فسقوط أوربان وغيابه عن القمة ترك خلفه تساؤلات جوهرية: هل نشهد تراجع موجة الشعبوية، أم أن ما يجري ليس سوى تحول تكتيكي لقوة أشد خطورة من ذي قبل؟.
بعد 16 عاماً من الهيمنة، حصل حزب فيدس على 39.15% مقابل 52.44% لحزب تيزا بقيادة بيتر ماغيار، مع مشاركة قياسية بلغت 79.56% - الأعلى منذ عودة الديمقراطية عام 1990.
يحلل أستاذ بمعهد العلوم السياسية في باريس سيلفان كان، أن هذا ليس انتصاراً لليسار: "ماغيار يُجسّد العودة إلى فيدس ما قبل 2014، الحزب المحافظ جداً المرتبط بالقيم التقليدية والكاثوليكية والوطن، ويعكس انتصار التطلع إلى الكفاءة والنزاهة في مواجهة الفساد الممنهج".
أما المؤرخ الإيطالي ستيفن فورتي، المتخصص في اليمين المتطرف، يرى في حديث لـ"لوموند" أن "هذه الهزيمة تمثل نقطة تحول محتملة في مسار بدا صعوداً لا يُوقف".
ويربطها فورتي بسلسلة نكسات: "فشلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في الاستفتاء الدستوري الإيطالي مارس الماضي، وفشل المرشح اليميني المتشدد يانيز يانشا في الانتخابات السلوفينية، وحتى النتائج المتواضعة لحزب التجمع الوطني في الانتخابات البلدية الفرنسية".
ويضيف: "أرى في ذلك بالأساس مؤشراً على أن ترامب أصبح عاملاً طارداً للعديد من ناخبي اليمين المتطرف في أوروبا الذين نظروا بعين سيئة لخطف ترامب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتهديدات غزو غرينلاند، والحرب في إيران".
ووصف مدير مرصد التطرف السياسي في مؤسسة جان جوريس جان إيف كاموس، الأمر: "كانت مارين لوبان تأمل أن تكون المجر الدومينو الأول في سلسلة انتصارات كان يُفترض أن تمكّن الشعبويين القوميين من تشكيل ائتلاف قوي فعلى المستوى الأوروبي. يمكن القول إن البداية سيئة. هذه الهزيمة ضربة حقيقية".
ويوضح فورتي في "لوموند" ما يعنيه ذلك بالضبط: "أوربان كان يتمتع بالقدرة على إضعاف الاتحاد الأوروبي، وهو هدف استراتيجي تشترك فيه الآن واشنطن وموسكو".
أما باسكال جوانان، المديرة العامة لمؤسسة روبرت شومان، تذهب أبعد من ذلك في لوسوار: "ترامب تورط سياسياً... دون جدوى. التدخل والهيمنة الأمريكية رُفضا من قبل المجريين. إنها أيضاً هزيمة لترامب".
في باريس، تحوّل التجمع الوطني إلى صمت مفاجئ. تحلل صحيفة "شالونج" أن لوبان "خسرت مرشداً ونموذجاً وحجة سياسية" دفعة واحدة. فقد استوحت من أوربان تدابير رئيسة كتخريج طلب اللجوء خارج الأراضي الفرنسية، وإعفاءات ضريبية للشباب، وقرض عقاري يتحول إلى هبة ابتداءً من الطفل الثالث. فضلاً عن القرض البنكي المجري البالغ عشرة ملايين يورو الذي موّل حملتها الرئاسية عام 2022.
الآن، يُسارع المسؤولون لمحو هذه العلاقة. يتذرع نائب رئيس التجمع الوطني جان فيليب تانغي بأن سقوط أوربان "يُثبت فقط تآكل القوة بعد ستة عشر عاماً في السلطة، لا انتكاسة مشروعه".
لكن مدير مرصد الرأي في مؤسسة جان جوريس أنطوان بريستيل، يلفت في لوسوار إلى مخاطر أعمق: "امتلاك حلفاء أقل يمكن أن يُقوّض وعد التجمع الوطني بتغيير الاتحاد الأوروبي من الداخل. وفي منظور الدورة الثانية للرئاسيات، قد يُفضي غياب الحلفاء والروابط الدولية إلى آلية تصويت مفيد لصالح المرشح الذي سيواجه التجمع الوطني".
الأكثر إزعاجاً لليمين المتطرف هو كيف حقق ماغيار انتصاره. يوضح بروفيسور جان ميشيل دو فايل، الخبير في العلوم السياسية بجامعة بروكسل، في مجلة موستيك: "لم يبنِ ماغيار حملته على الدفاع عن المبادئ الديمقراطية التي للأسف لا تُحرك الناخبين كثيراً. لم يُنجز حملة على غرار الديمقراطية الأمريكية كامالا هاريس ضد ترامب، مُركّزة على حقوق الأقليات".
ويوضح: "انصبّ اهتمامه على الحياة اليومية للناس، صعوباتهم الاجتماعية والاقتصادية. قاد حملة براغماتية جداً، اقتصادية اجتماعية، تمحورت حول المستشفيات والقطارات والمدارس. ولم يقع في الفخاخ الهوياتية والرمزية التي نصبها اليمين المتطرف".
غير أن محدودية "نموذج ماغيار" تظل مُعترفاً بها: الرجل لا يختلف كثيراً عن أوربان في مسائل اللجوء والهجرة، فالمجريون ربما استبدلوا محافظاً متشدداً بآخر.
لكن التحليل الأعمق يرى أن ما يجري ليس انحساراً بل إعادة تموضع، فبعض قيادات اليمين المتطرف كلويس أليو من التجمع الوطني الفرنسي، يدعون صراحة إلى "إبراز الخلافات مع الأجندة الأمريكية والترويج لسياسات تجد صدى لدى الناخبين الأوروبيين".
والأكثر دلالة أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" بدأ يُراجع موقفه حين أدانت رئيسته أليس فايدل حرب ترامب على إيران واصفة إياها بـ"الكارثة سيئة التخطيط"، مما يمثل قطيعة واضحة مع النهج الترامبي.
ويخلص فورتي في "لوموند" إلى المعضلة الحقيقية: "منذ التسعينيات، خضع حزب الشعب الأوروبي لتحول عميق: مع تراجع الديمقراطية المسيحية، دخلت قيادات محافظة مشهد السياسة الوطنية والأوروبية. بعد انتهاء الإجماع النيوليبرالي عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، أصبح حزب الشعب الأوروبي خليطاً من أحزاب متباينة جداً بلا تماسك أيديولوجي. اليوم، حين لم تعد الوصفات النيوليبرالية تنجح، يميل كثيرون إلى تقليد اليمين المتطرف".
الخلاصة التي تتشكل عبر هذه المصادر المتعددة بأن الهزيمة في بودابست ليست نهاية اليمين المتطرف بل نهاية نموذج بعينه. وأن نموذج أوربان كان يقوم على ثلاثة أعمدة: المال الأوروبي، والتدمير من الداخل، والتحالف مع موسكو وواشنطن معاً. الثلاثة تآكلت في وقت واحد.
وما يخلفه أوربان ليس فراغاً، بل معضلة جديدة: كيف يبني التيار القومي حضوراً أوروبياً متماسكاً دون زعيم بحجم أوربان، مع تصدع العلاقة بترامب، وقبل انتخابات فرنسا 2027 التي باتت ساحة المواجهة الفاصلة لهذا التيار بأسره؟.