داعش يعلن مسؤوليته عن هجوم على مطعم في فندق بأفغانستان
تشهد بريطانيا في 2026 أزمة وجودية غير مسبوقة منذ عقود. ليست أزمة واحدة، بل شبكة معقدة من الاختلالات المتداخلة التي تطال كل جانب من جوانب الحياة العامة.
من أزمة إسكان خانقة إلى نظام صحي على وشك الانهيار، ومن إنتاجية راكدة إلى انهيار ديموغرافي وشيك، ومن صعود شعبوي مقلق إلى تآكل الثقة في المؤسسات التقليدية.
وتكشف البيانات المرعبة، أن 4.3 مليون أسرة على قوائم انتظار السكن، و7.4 مليون شخص ينتظرون العلاج في النظام الصحي الوطني، ثم معدل خصوبة عند 1.41 طفل لكل امرأة — أدنى مستوى مسجل في التاريخ — وإنتاجية اقتصادية متخلفة عن الدول المماثلة بفارق صادم، إضافة إلى ثقة متراجعة في الحكومة وصعود لليمين المتطرف.
أزمة الإسكان البريطانية ليست مجرد نقص في المنازل، بل هي أزمة سياسية مصطنعة تحولت إلى كابوس اجتماعي واقتصادي.
فالأرقام تروي قصة مأساة متصاعدة، حيث إن 4.3 مليون أسرة على قوائم انتظار السكن الاجتماعي، و300,000 أسرة تعيش في مساكن مؤقتة، منهم 20 أسرة لكل 1,000 أسرة في لندن وحدها مقابل 5 لكل 1,000 على المستوى الوطني.
كما أن نسبة سعر المنزل إلى الدخل وصلت إلى 8.8 أضعاف، مقارنة بـ 4.1 أضعاف في السبعينيات، و في الاثني عشر شهراً حتى يونيو 2025، بلغت التسليمات حوالي 201,000 منزل جديد، بانخفاض 8% عن العام السابق.
تُجمع التحليلات على أن جذور الأزمة تمتد إلى قانون التخطيط الصادر عام 1947، إذ نشر باحثون في جامعة وارويك دراسة تحذر من أن 70% من المساكن الجديدة توفر وصولاً أضعف للوظائف من المتوسط، وترتفع النسبة إلى 80% لمستخدمي النقل العام.
وقد طورت الدكتورة أمريتا كولكا والدكتور نيخيل داتا، من مركز أبحاث CAGE بجامعة وارويك، أداة تحليلية متطورة بعنوان "WhereToBuild" لتحليل مليارات بيانات البحث العقاري، حيث كشفت أبحاثهم أن 18% من المساكن الجديدة تُبنى في قرى أو بلدات بدون مدرسة ثانوية أو عيادة طبية، مقارنة بـ 11% في 2010.
من جانبها، حذرت مؤسسة Resolution Foundation من أن بناء 1.5 مليون منزل بحلول نهاية الدورة البرلمانية سيكون "تغييراً حقيقياً لكن ليس تحويلياً" في إعادة توازن العرض والطلب، ويرى الخبراء أن هذا المعدل سيعيد الإسكان إلى مستويات 2021 فقط، وليس إلى مستويات كافية لحل الأزمة.
التحليل الجديد، يحدد مدناً بريطانية تعاني من أشد الأسواق الإسكانية ضيقاً، بما في ذلك إدنبرة ودندي وغلاسكو ولانكستر وبريستول وليفربول ومانشستر وبورتسموث وهال وشيفيلد وسوانزي وكارديف ويورك.
المشكلة المركزية، كما يوضح الخبراء، هي أن الحكومة تخطط لبناء نصف المساكن الاجتماعية الجديدة في المناطق الريفية، بينما الحاجة الحقيقية موجودة في المناطق الحضرية. وفي نيوهام بلندن، 3 من كل 10 أسر على قوائم الانتظار، وأكثر من 1 من كل 20 أسرة في مساكن مؤقتة.
وقد دفعت أزمة القدرة على تحمل التكاليف المزيد من الأشخاص إلى سوق الإيجار، لأنهم غير قادرين على الادخار للدفعات المقدمة أو التأهل للرهن العقاري بالأسعار الحالية.
وفي سياق التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإسكان والفجوة بين إعانات الإسكان والإيجارات الخاصة، استمر التشرد في الارتفاع، حيث إن إجمالي الأسر التي تعاني من أسوأ أشكال التشرد يبلغ الآن نحو 300,000 أسرة.
وتؤكد مؤسسات عقارية، أن نسبة المساكن الميسورة لكل 1,000 شخص بالغ في إنجلترا تنخفض باستمرار منذ 1980، لتصل إلى 88 في 2024، وهو أدنى مستوى على الإطلاق.
وضمن الأزمات التي تعانيها البلاد، تبرز معضلة نظام الرعاية الصحية الوطني البريطاني (NHS)، الذي كان ذات يوم رمزاً للمسؤولية الاجتماعية الجماعية، حيث يواجه أعمق أزمة وصول في تاريخه البالغ 80 عاماً.
وتكشف الأرقام الرسمية لعام 2025 حجم الكارثة، إذ إن قائمة الانتظار للعلاج الاختياري بلغت 7.4 مليون حالة في أغسطس 2025، تمثل حوالي 6.2 مليون مريض، كما أن حوالي 2.75 مليون مريض ينتظرون أكثر من 18 أسبوعاً، وحوالي 154,000 ينتظرون أكثر من عام.
وكذلك متوسط وقت الانتظار للمرضى الذين ينتظرون بدء العلاج هو 12.9 أسبوع، زيادة كبيرة من 7.7 أسبوع قبل كوفيد في نوفمبر 2019، وفي ديسمبر 2025، 73.8% فقط من الأشخاص في الطوارئ تم قبولهم أو نقلهم أو تسريحهم في غضون 4 ساعات.
ويتوقع تحليل أجرته مؤسسات صحية رائدة، أن قائمة الانتظار للرعاية الاختيارية في إنجلترا يمكن أن تتضخم إلى 10 ملايين شخص بناءً على الاتجاهات الحالية.
وحذر تقرير نشره موقع "ويكوفير"، من أن "هذا ليس مجرد إحصائية. إنه يمثل ملايين الأرواح المعلقة. إنه الوالد الذي ينتظر في ألم لاستبدال الركبة، والشاب المهني القلق بشأن فحص تشخيصي لورم مقلق".
كما زادت النسبة المئوية للمرضى الذين يتلقون علاج السرطان الأول في غضون شهرين من الإحالة العاجلة من 68.8% في أكتوبر 2025 إلى 72.2% في نوفمبر 2025، لكنها لا تزال أقل بكثير من المعيار التشغيلي البالغ 85%.
على الرغم من أن إنتاجية المستشفيات في إنجلترا نمت بنسبة 2.7% في 2024-25، متجاوزة هدف الحكومة البالغ 2%، فإن التقدم في خفض أوقات الانتظار كان بطيئاً.
باحثو معهد IFS يحذرون من أن نسبة النشاط إلى التسريحات قد ارتفعت بشكل مثير للقلق، مما يعني أن المرضى يحتاجون إلى المزيد من المواعيد والإجراءات لإكمال مساراتهم العلاجية.
تشير البيانات إلى أن سوق الرعاية الصحية الخاصة في المملكة المتحدة يبلغ الآن 11 مليار جنيه في 2025، مع توقعات بأن ينمو إلى 15 مليار جنيه بحلول 2032، كما أن ارتفاع المدفوعات الذاتية ليس مدفوعاً بالإنفاق التقديري، بل يحدث خلال أزمة تكلفة المعيشة، مما يشير إلى أن المرضى يلجؤون إلى القطاع الخاص بسبب اليأس من الحصول على الرعاية بمستشفيات حكومية.
في الربع الثاني من 2025، سجلت المملكة المتحدة أضعف أداء ربع سنوي بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى. بينما سجلت الولايات المتحدة وفرنسا توسعات، انكمشت ألمانيا وإيطاليا، لكن الاقتصاد البريطاني انخفض أكثر.
وكانت إنتاجية العمل في الربع الثالث من 2025 عند 3.1% فوق مستويات ما قبل جائحة كورونا، لكن التقديرات تظهر أن الإنتاجية البريطانية أقل بنسبة 0.8% من الربع الثاني من 2024.
وفي السياق نما إجمالي إنتاجية المملكة المتحدة عبر القطاعين العام والخاص بأكثر من 2% سنوياً قبل 2008، ويؤكد صندوق النقد الدولي في تقريره عن المملكة المتحدة أن "ضعف الإنتاجية المستمر يبقى العقبة الأساسية أمام رفع النمو ومستويات المعيشة".
وإلى جانب الصدمات السلبية، بما في ذلك بريكست وجائحة كوفيد وأزمة أسعار الطاقة، ترك التباطؤ مستوى الناتج المحلي الإجمالي البريطاني أقل بحوالي ربع مما كان يشير إليه الاتجاه قبل الأزمة المالية العالمية.
ولهذا التباطؤ أسباب متعددة، بما في ذلك نقص الاستثمار المزمن، والوصول المحدود إلى التمويل للشركات، فضلاً عن الفجوات في المهارات، والتدهور في النتائج الصحية.
ومنذ 2010، مرت المملكة المتحدة بأربعة هياكل إدارية لسياسة الأعمال، و11 وزيراً للأعمال، وشهدت تحولات متكررة في الاستراتيجية الصناعية وسياسة ضريبة الشركات.
في 2024، بلغ معدل الخصوبة الإجمالي 1.41 طفل لكل امرأة في إنجلترا وويلز، انخفاضاً من 1.42 في 2023. وهو ما يؤشر إلى أن معدل الخصوبة الإجمالي في إنجلترا وويلز في انخفاض منذ 2010.
كما أن متوسط عمر الأمهات لأول مرة في إنجلترا وويلز ارتفع إلى 31 عاماً في 2024، مقارنة بـ 30.9 في العام السابق و29 قبل عقدين. في حين كان الآباء في المتوسط 33.9، مقارنة بـ 33.8 في 2023 و32.1 في 2004.
وتوضح البروفيسورة ميليندا ميلز، أستاذة الديموغرافيا وصحة السكان في جامعة أكسفورد، أن الانخفاض في معدلات المواليد "مرتبط بشكل أساسي بالاتجاه العام في تأجيل الأبوة"، وتسرد تكاليف الإسكان ورعاية الأطفال، وعدم اليقين بشأن التوظيف، وعدم المساواة بين الجنسين، وصعوبات الجمع بين العمل والحياة الأسرية.
في المسار الحالي، من المتوقع أن يبدأ السكان الطبيعيون في المملكة المتحدة في الانخفاض في 2025، مما يقلص القوى العاملة المستقبلية. بسبب انخفاض معدلات الخصوبة، وعوامل أخرى مثل عيش الناس لفترة أطول، لذلك فإن المملكة المتحدة لديها سكان متقدمون في السن. ويمكن أن تؤثر التغييرات السكانية على عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى الخدمات، وعدد الأشخاص المتاحين لتقديم الخدمات.
ويحذر أنتوني ترافرز، أستاذ في كلية لندن للاقتصاد، من أنه إذا استمر هذا، "فإن السكان في سن العمل المتقلصين بالفعل سيتقلصون أكثر"، مما يزيد الضغط على الخدمات العامة.
شهدت بريطانيا في مايو 2025 موجة انتخابية غير مسبوقة، مع تحقيق حزب الإصلاح نتائج مفاجئة في انتخابات المجالس المحلية، حيث فاز بـ677 مقعداً في المجالس المحلية، ما يعكس تصاعد نفوذه السياسي خارج نطاق البرلمان الوطني التقليدي.
ويعلق جاريد هايمان، المحلل السياسي، بقوله "تُظهر هذه النتائج أن حزب الإصلاح لم يعد مجرد حركة احتجاج، بل أصبح آلة انتخابية قادرة على الفوز في المدن كما في المناطق الريفية، مع تحدي الأحزاب التقليدية في البرلمان والمجالس المحلية".
على الجانب الآخر، يواجه حزب العمال بقيادة كير ستارمر، انهياراً سريعاً في الشعبية، مع تراجع نسبة الرضا عن أدائه إلى 26%، وهو أدنى معدل لرئيس وزراء في منتصف ولايته منذ بدء القياس.
ويوضح بول جودمان، رئيس تحرير موقع "كونسيرفاتيف هوم"، أن "المشكلة ليست فقط أن ستارمر غير محبوب، بل إنه يبدو عاجزاً عن تقديم رؤية متماسكة لشرح سبب تحمل البريطانيين أعباء الإصلاحات الآن".
وتُظهر تحليلات انتخابية، أن البرلمان البريطاني قد يشهد حالياً صعود حزب الإصلاح إلى ثالث أكبر قوة برلمانية، مع تراجع حزب العمال إلى 284 مقعداً من 411، والمحافظين إلى 143، والليبراليين الديمقراطيين عند 60، ما يشير إلى برلمان معلق لا تتحكم فيه أي قوة.
ويرى البروفيسور روبرت فورد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مانشستر، أن هذا الصعود يعكس "انهيار التحالفات الحزبية التقليدية"، بينما يحذر تيم شيبمان، محرر سياسي في صحيفة "التايمز"، من أن الشعبوية اليمينية في بريطانيا ليست تقليداً مستورداً، بل لها جذور محلية في خيبة الأمل من بريكست التي لم تحقق الوعود".
حتى حزب المحافظين يعيش أزمة وجودية بعد خسارته المدمرة في انتخابات 2024، ويتساءل إن كان يجب التحالف مع الإصلاح أم مقاومته.
ويدعو ريتشارد هولدن، رئيس الحزب المحافظ السابق، للتحالف قائلاً: "إذا لم نتحد، سنسلم بريطانيا لليسار لجيل كامل"، بينما يحذر روري ستيوارت، محافظ سابق ومعارض من أن "التحالف مع الشعبوية سيدمر ما تبقى من روح الحزب المحافظ، وسنجعل أنفسنا نسخة بريطانية من الجمهوريين الأمريكيين تحت رئاسة دونالد ترامب".