رأى خبراء، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يكرر "لعبة الظل" مع النظام الإيراني عبر إظهار نوايا التفاوض مع طهران وطمأنتها قبل توجيه ضربة عسكرية إليها، كما فعل في يونيو/حزيران الماضي.
وأوضحوا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن "ترامب يعيد هذه اللعبة من جديد، من خلال إظهار تبدّل في مستوى تأهبه لتنفيذ ضربة عسكرية ضد طهران، تزامناً مع حديثه خلال الساعات الأخيرة عن إبلاغه بتوقف قتل المتظاهرين في إيران، بعد أن لوّح بالتدخل لحمايتهم في حال إطلاق الرصاص عليهم".
وأشاروا إلى أن "التأني يشكّل جزءاً من الأجندة الأمريكية، في وقت يصعب فيه توقع تصرفات ترامب، الذي يقيّم الأوضاع وفق مزاجه الشخصي، ثم وفق ما يعتبره المصلحة العليا للولايات المتحدة، إضافة إلى حسابات الربح والخسارة والعوائد".
وكان ترامب قد أكد أنه تبلّغ بأن "عمليات القتل في إيران توقفت"، وأن السلطات هناك "لن تُعدم أحداً"، مشيراً إلى أن إدارته "ستتحقق من أنباء توقف القتل والإعدامات"، وذلك بالتزامن مع ما كشفته صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلاً عن مسؤول أمريكي، حول تعليق حالة التأهب التي وُضعت فيها قاذفات أمريكية بعيدة المدى لتنفيذ ضربات ضد إيران.
ويأتي ذلك في وقت فرضت فيه الولايات المتحدة، يوم الخميس، عقوبات على 5 مسؤولين إيرانيين اتهمتهم بالوقوف وراء قمع المحتجين، فيما تكثّف إدارة ترامب ضغوطها على طهران.
ويرجّح أستاذ العلاقات الدولية الدكتور "عبد المسيح الشامي"، أن "يكون الرئيس الأمريكي قد اتخذ قرار الضربة، وأن التحضيرات لها انتهت، مع تهيؤ دول عدة لهذا السيناريو، إلا أن قوى عظمى، في مقدمتها روسيا والصين، حذّرت ترامب من مغبة ذلك، مؤكدة وقوفها إلى جانب إيران".
وأضاف الشامي في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن "إيران بعثت برسائل مفادها أنه في حال تعرضها لضربة، ستقصف دولاً إقليمية، من بينها إسرائيل، إذا انطلق الهجوم من قواعد أمريكية على أراضي تلك الدول. ولذلك يسعى ترامب إلى شلّ قدرات طهران بضربة واحدة تحول دون أي ردّ فعل، ما دفعه إلى إطلاق تصريحات توحي بتغيير محدود في الموقف، لكنها في الواقع تندرج ضمن لعبة الظل، عبر إظهار التراجع عن الحرب ثم الإعداد لها وتنفيذها على حين غفلة، كما جرى في يونيو/حزيران الماضي".
وأكد أن "ترامب، قبيل حرب الـ12 يوماً، تعامل مع طهران نفسياً بطريقة مشابهة، إذ طمأن النظام، وتحدث عن مفاوضات واستعداد لاتفاق، قبل أن ينفّذ الضربة بشكل مفاجئ".
ويرى الشامي، أن تكرار السيناريو نفسه وارد، في ظل رغبته في تغيير رأس النظام، ما يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة.
وأشار إلى أن "ترامب يراهن على العامل النفسي لدى القائمين على السلطة في طهران عبر هذه المراوغات، إلا أن إيران، في حال تغيّر رأس النظام، قد تشهد تراجعاً في هذا النهج".
واعتبر الشامي، أن "الخيار الأفضل لواشنطن هو عدم اندلاع حرب، لكن في المقابل، فإن من ثوابت النظام الإيراني عدم التنازل عن السلطة مهما كان الثمن".
من جانبه، اعتبر الباحث في شؤون الشرق الأوسط محمد زنكنة، أن "توقع تصرفات ترامب أمر بالغ الصعوبة، لا سيما أنه يقيّم الأوضاع وفق مزاجه الشخصي ثم المصلحة العليا للولايات المتحدة، إضافة إلى حسابات الربح والخسارة والعوائد".
وأضاف زنكنة في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن "الولايات المتحدة أنفقت خلال حرب الـ12 يوماً أموالاً طائلة، عوّضها ترامب عبر صفقات ذات أبعاد متعددة، وهو، اليوم، يبحث عن سبل تمويل عملية عسكرية محتملة ضد إيران، ومتى توافرت، سيبدأ ضربته بالتنسيق مع إسرائيل".
ويرى أن "الضربة، في حال تنفيذها، قد تكون محدودة أو ضعيفة التأثير، في ظل رهان واشنطن وتل أبيب على الداخل الإيراني والإضرابات القائمة"، مشيراً إلى أن الشعب الإيراني يتسم بـ"الصبر"، إذ افترش الشوارع والساحات منذ العام 1974 وانتظر 5 سنوات حتى سقوط الشاه، لتبدأ مرحلة جديدة لم تكن أفضل بالضرورة مما سبقها.
ويعتقد زنكنة، أن "التأني جزء من الأجندة الأمريكية، إلا أن هناك احتمالاً لاستعجال ترامب في تحقيق هذا الهدف، نظراً لأن ولايته الحالية هي الأخيرة، ما يدفعه إلى محاولة استكمال أجندته بسرعة".
واستدل على ذلك بأن الولايات المتحدة نفذت، خلال 4 سنوات، من ولاية الرئيس الديمقراطي جو بايدن نحو 400 غارة جوية، في حين نفّذ الرئيس الجمهوري أكثر من 600 غارة وطلعة عسكرية خارج حدود بلاده حتى الآن.
وختم زنكنة بالقول، إن "التوقع والتكهن بطريقة التعامل مع طهران يظل أمراً بالغ الصعوبة في ظل أفكار وتصريحات ترامب، لا سيما أنه لا يمر عبر فلاتر الكونغرس، مع استقوائه بأدوات داخلية ضد إيران، واقتناع أوروبي متزايد بأن بقاء النظام الإيراني مسألة وقت، في ظل رهان واشنطن الحالي على تأجيج الصراعات الداخلية هناك".